موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٧ - الفصل الثالث أقسام فلسفة الأحكام
وينقل «الشيخ الصدوق» في كتابه المعروف «علل الشرائع» رواية طويلة ومفصّلة عن فلسفة بعض الأحكام عن «الفضل بن شاذان» عن الإمام الرضا عليه السلام [١] حيث قال في بداية هذا الحديث الشريف:
«إن سأل سائل فقال: أخبرني هل يجوز أن يكلّف الحكيم عبده فعلًا من الأفاعيل لغير علّة ولا معنى؟
قيل له: لايجوز ذلك لأنّه حكيم غير عابث ولا جاهل.
فإن قال قائل: فأخبرني لِمَ كلّف الخلق؟
قيل له: لعلل.
فإن قال: أخبرني عن تلك العلل، معروفة هي أم غير معروفة ولا موجودة؟
قيل: بل هي معروفة موجودة عند أهلها.
فإن قال قائل: أتعرفونها أم لا تعرفونها؟
قيل له: منها ما نعرفه ومنها مالا نعرفه» [٢].
ويستفاد من هذا الحديث الشريف أولًا: إنّ جميع الأفعال والأحكام الإلهيّة تتضمّن أغراضاً وحِكماً في واقعها ومضمونها.
ثانياً: إنّ جميع أسرار الأحكام لا تتوفّر لدى جميع الناس، بل إنّ بعض علل الأحكام خافية على الناس العاديين.
ثالثاً: نحن مكلّفون بالعمل بجميع الأحكام والمقرّرات الإلهيّة من موقع الطاعة والامتثال، لا أنّ هذا العمل يرتبط بمعرفتنا بالحكمة والغرض الكامل في هذه الأحكام الإلهيّة.
وهناك نقطة جديرة بالالتفات، وهي أنّ أكثر الروايات التي ترتبط بهذا القسم الرابع من الأحكام تتعلّق بأحكام العبادات وما يصطلح عليه «التعبّديات» وأمّا الأحكام التي تتّصل بالمعاملات، فإنّ الحكمة منها جليّة في الغالب، ولذلك يقلّ السؤال عن فلسفة هذه الأحكام في النصوص الدينية.
ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى أنّ الأعمال العبادية والأحكام التعبدية يشترط في قبولها وصحّتها قصد القربة، ومعرفة الحكمة الأخلاقية والاجتماعية والصحية ولا يمكنها أن تكون المحرّك والدافع الأساس لهذا العمل،
«صُومُوا تَصِحُّوا» [٣]
فإنّ الفائدة الصحّية للصوم لا يمكنها أن تكون باعثاً أصلياً على ممارسة الصوم، بل ينبغي في مثل هذه الموارد أن يكون الدافع للإتيان بهذا العمل العبادي هو امثتال الأمر الإلهيّ، أي «قربة إلى اللَّه» وإن أدّى علم المكلّف بفلسفة هذا الحكم إلى توكيد هذا الدافع النفساني للتحرّك باتّجاه امتثال هذا الأمر الإلهي.
تذكير: في ختام هذا البحث نرى من الضروري الإشارة إلى هذه النقطة، وهي أنّ الفقيه مكلّف في مقام الاستنباط وتشقيق الفروع، أن يتحرّك في عمله هذا وفق الأدلّة التي ثبتت لديه حجيّتها شرعاً وإن كان لم يتوصّل إلى معرفة مصالح ومفاسد الحكم.
[١]. رغم أنّ الحديث ورد بشكل «فإن قال قائل» «قيل كذا» عن لسان «الفضل بن شاذان» ولكن يقول في آخر الحديث: «عليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري»: ل «الفضل بن شاذان»- لما سمعت منه هذه العلل- أخبرني عن هذه العلل أذكرتها عن الاستنباط والاستخراج وهي من نتائج العقل، أم هي مما سمعته ورويته.
فقال لي: ما كنت لأعلم مراد اللَّه عزّوجلّ بما فرض، ولا مراد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بما شرع وسنّ، ولا علل ذلك من ذات نفسي، بل سمعتها من مولاي أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا في المرّة بعد المرّة والشيء بعد الشيء فجمعتها.
ثمّ يقول «عليّ بن قتيبة» فقلت: فاحدّث بها عنك عن الرضا؟
قال الفضل بن شاذان: نعم!
[٢]. علل الشرائع، ج ١، ص ٢٥١، باب ١٨٢، ح ٩؛ بحار الأنوار، ج ٦، ص ٥٨ و ٨٥.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٥٩، ص ٢٦٧، ح ٤٥.