موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - ١٠ المرونة
مسارها الصحيح والطبيعي.
وفي موضوع المرأة والرجل والحقوق والمسؤوليات الملقاة على عاتقهما، نرى أنّ الإسلام اهتمّ بتقسيم المسؤوليات والحقوق بما يتناسب مع القوى والملكات الروحية والجسمية للمرأة والرجل في أبواب مختلفة من الفقه، كالإرث، الدية، تكاليف الاسرة، الحضانة وتولّي أُمور الصغار و ...
وعندما نلقي نظرة سريعة على هذه الأبواب نرى أنّ الإسلام في توزيع الثروة «الملكية الاعتبارية» أخذ جانب الرجال، ولكنّه في دائرة «الاستهلاك» أخذ إلى حدّ كبير جانب النساء.
وفي الحقيقة أنّ الإسلام بدلًا من أن يقيم هذه القوانين الخاصة بالمرأة والرجل على أساس شعار «تساوي الحقوق بين المرأة والرجل» وهو شعار مجانب للعدالة، أقام قوانينه على أصل «التوازن والتناسب بين حقوق المرأة والرجل».
وفي دائرة الحرب والصلح والأحكام المتعلّقة بهما نرى أنّ الإسلام لم يجعل الحرب هدفاً للحياة ولا الصلح والاستسلام، بل أخذ بنظر الاعتبار جميع أطراف المسألة بشكل متوازن ووضع لها قوانينها الخاصة بها.
وفي دائرة الأحكام العباديّة والسياسيّة أخذ الإسلام بنظر الاعتبار الزوايا والأبعاد الخفية والجلية لهذه الأحكام بشكل دقيق، ووضع قوانينه بما يتناسب مع الظروف المختلفة للأشخاص والمكلّفين، من قبيل ملاحظة حال المرضى، المسافرين، المسنّين، المرضعات وما إلى ذلك، وكانت هذه الأحكام على أعلى درجة من التناسب والتوازن.
وحتى في المسائل العبادية والمعنوية المحضة يمكننا ملاحظة الخطوط الأصلية للتوازن في الأحكام الإسلامية بوضوح.
إنّ الإسلام أخذ بنظر الاعتبار في أحكامه كلّ زوايا وتفاصيل المسائل، فنرى أنّه لم يسمح أن يتغلّب طلب الآخرة على حساب الدنيا أو بالعكس، لأنّه عليه السلام قال:
«لَيْسَ مِنّا مَنْ تَرَكَ دُنْياهُ لآخِرَتِه وَلا آخِرَتَهُ لِدُنْياهُ» [١].
وخلاصة الكلام أنّ الإسلام نظر في أحكامه الشرعية والفقهية إلى كافّة أبعاد الإنسان، فأخذ بنظر الحسبان الفرح إلى جانب الحزن، والعبادة إلى جانب الترفيه، والزهد إلى جانب العمل، والمعاد إلى جانب المعاش، وأخيراً الروح إلى جانب الجسم.
ونختم هذا القسم بحديث عن أميرالمؤمنين عليّ ابن أبي طالب عليه السلام يبيّن فيه عنصر التوازن في الأحكام والتعاليم الإسلامية، يقول:
«للمُؤمِنِ ثَلاثُ سَاعاتٍ: فَساعَةٌ يُناجِي فِيها رَبَّهُ، وسَاعةٌ يَرُمُّ معاشَه، وساعةٌ يُخَلّي بين نَفسهِ وبَين لَذَّتِها فِيما يَحِلُّ ويَجْمُلُ» [٢].
١٠. المرونة
تعتبر المرونة إحدى خصائص الفقه الإسلامي، بمعنى أنّ الفقه الإسلامي يمنح الفقيه آليات وعناصر تسمح له في بعض الموارد التي يجد فيها المكلّف الطريق موصداً أمام العمل بالتكليف الشرعي، فإنّ بإمكانه فتح أبواب ومساحات أخرى لأداء ذلك
[١]. ورد هذا الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام. (من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ١٥٦، ح ٣٥٦٨).
[٢]. نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٠.