موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥١ - ١ حقيقية القضايا للأحكام الشرعية
بصحتّها سوى الموارد التي قام دليل معتبر على تخصيصها وتقييدها. وطبعاً هل يمكن تصوّر خيار المجلس في مثل هذه المعاملات أم لا؟ هذا بحث لايسع المجال لبحثه هنا.
وعلى أيّة حال، فمع الالتفات إلى حقيقة قضايا الأحكام، فإنّ إطلاقات وعمومات الأدلّة اللفظية لا تنحصر بالمصاديق الموجودة في عصر صدور النصّ أو الأزمنة المقارنة له، بل تشمل جميع المصاديق على امتداد الزمان والتي تظهر بالتدريج أيضاً. ومعلوم أنّه أحياناً توجد في سياق النصّ بعض القرائن، تدلّ على انصراف إطلاق الأدلّة بالنسبة لبعض المصاديق المستحدثة، ففي مثل هذه الموارد لا يمكن التمسّك بإطلاق الدليل وإصدار حكم عامّ لجميع الأفراد.
توضيح ذلك: المعروف أنّ الإطلاق لا يستوعب جميع مصاديق الموضوع لحكم معيّن إلّاإذا توفّرت مقدّمات الحكمة الأربع، بمعنى: أولًا: أن يكون المتكلّم في مقام بيان الحكم، ثانياً: أن لا يوجد بيان آخر في خصوص الموضوع مورد البحث، الذي هو السبب في تعين المطلق في بعض الأفراد. ثالثاً: إنّ المطلق ليس له انصراف لبعض المصاديق الخاصّة له، رابعاً: أن لا يوجد قدر متيقّن في مقام التخاطب [١].
ويبدو أنّ المقدّمة الرابعة غير معتبرة، لأنّه قلّما يوجد إطلاق لا يتضمّن قدر متيقّن، وفي النتيجة فإنّ قبول هذه المقدّمة يستلزم سقوط أغلب الإطلاقات [٢]، وخاصّة بالنسبة للإطلاقات التي ورد فيها شأن النزول أو أنّها صدرت في مورد خاصّ، في حين أنّ المعروف والمشهور بين العلماء أنّ شأن الورود لا يدلّ على تخصيص الحكم.
أمّا سائر مقدّمات الحكم فإنّها مقبولة ولا شكّ في اعتبارها.
والكلام فقط في مورد المقدّمة الثالثة، يعني عدم الانصراف، فينبغي القول أوّلًا أنّ هذه المقدّمة تعود إلى المقدّمة الثانية، لأنّها سبب التعيين. بالنسبة للإنصراف، وثانياً، لابدّ من توضيح هذه النقطة، وهي أنّ منشأ الإنصراف عادة أُنس الذهن ببعض مصاديق ذلك المطلق، ولهذا الأُنس علل وعوامل مختلفة، منها غلبة وجود تلك ا لمصاديق التي ينصرف إليها الذهن، رغم أنّ جماعة من الفقهاء لا يرون الغلبة الوجودية كافية للانصراف ويعتقدون أنّ الغلبة في الاستعمال هي الموجبة للانصراف.
مثلًا عندما يقال أنّ مقدار الكرّ ثلاثة أشبار ونصف في ثلاثة أشبار ونصف في ثلاثة أشبار ونصف، فإنّه يتبادر إلى ذهن الإنسان من كلمة شبر مقدار كفّ الشخص المتوسّط والغالب، لا الأشبار الكبيرة جدّاً ولا الصغيرة جدّاً، لأنّ أغلب الأشبار هي بالمقدار المتوسط والنوعان الآخران يعتبران من المصاديق الشاذّة والنادرة.
وكذلك في مقدار ما يجب غسله من الوجه في الوضوء، حيث ورد أنّه بمقدار ما دارت عليه الإبهام والوسطى، حيث ينصرف هذا المقدار إلى المتعارف بين الناس لا الأصابع الطويلة ولا الصغيرة، وهناك أمثلة أخرى لهذه المسألة يتمّ فيها انصراف الإطلاقات إلى
[١]. كفاية الأصول، طبعة انتشارات جماعة المدرسين، ج ٢، ص ٢١٣.
[٢]. وهناك إشكالات أخرى واردة على اعتبار هذه المقدمة أيضاً، وللمزيدمن التفصيل راجع: أنوار الأصول، ج ٢، ص ٢٠٧، الطبعة الثانية.