موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٩ - ١ حقيقية القضايا للأحكام الشرعية
أمّا القضايا الخارجيّة فهي القضايا التي يكون الموضوع فيها ثابتاً للأفراد الموجودين في الواقع الخارجي. مثلًا عندما يقول شخص (أنا ارتبط مع العلماء) فيعني أنّ ارتباطه مع العلماء الموجودين في العالم الخارجي، لا كلّ شخص عالم كان يعيش في الماضي أو سوف يعيش في المستقبل.
أو عندما يقال مثلًا «قدّموا كتاباً هدية لكلّ طالب جامعيّ» فالمقصود من الطلّاب الذين يستحقّون هذه الهدية، هم الموجودون في الخارج.
وأمّا القضايا الحقيقيّة فلا تختصّ بالأفراد الموجودين فعلًا في الخارج، بل إنّ الحكم فيها تابع لموضوعها، سواء كان موجوداً فعلًا أم موجوداً قبل ذلك وما سيوجد في المستقبل أيضاً.
بل ربّما لا يكون في الزمان الحاضر مصداق خارجيّ، ولكن مع ذلك فالحكم فيها صحيح، مثلًا قضية
(النار حارّة)
هي قضية حقيقية وتشمل مصاديق النار في السابق والحاضر والمستقبل حيث يصدق عليها الحكم بأنّها حارّة، حتّى لو لم يكن هناك مصداق خارجيّ للنار حين إطلاق هذا الكلام.
ولا شكّ في أنّ أغلب الأحكام الشرعية التي طرحت بشكل قضية، فإنّها من قبيل القضايا الحقيقية، سواء كانت في إطار قضية حقيقية مثل
«الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» [١]
أم في إطار قضية إنشائية مثل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» [٢] فكلّ هذه القضايا هي من قبيل القضايا الحقيقية لا من قبيل القضايا الخارجية، وعليه فإنّ مصاديق هذه القضايا لا تنحصر في زمان صدور الحكم وما كان موجوداً في عصر الأئمّة الطاهرين، بل تشمل جميع المصاديق التي كانت موجودة في ذلك الوقت وسوف توجد في المستقبل وتستوعب كلّ أفراد الزمان والمكان إلّاإذا ورد دليل معتبر على الاستثناء في بعض الموارد الخاصّة.
وهذا المطلب يمثّل حقيقة في سياق النصوص الشريفة وخاصّة بالنسبة للآيات القرآنية- كما ذكر آنفاً- التي تصرّح بعالمية هذا الدين وتوجّه خطابها لجميع أفراد البشر إلى يوم القيامة. وإن كان الخطاب موجّهاً حسب الظاهر إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، أو إلى الناس الموجودين في ذلك الزمان.
وعلى هذا الأساس، فنحن نعتقد بأنّ أحكام المسافر شاملة لكلّ المسافرين في كلّ عصر وزمان ومنهم المسافرون في عصرنا الحاضر الذين يستخدمون وسائط النقل السريعة ولا تختصّ بالأزمنة القديمة، إلّا أن يقوم دليل معتبر على كون هذه الأحكام مقيّدة بزمان خاصّ.
وهكذا بالنسبة للأحكام الواردة في ماء الحمّام حيث تشمل الحمّامات الموجودة في زماننا هذا وإن كانت هذه الحمّامات تختلف كثيراً عن الحمّامات التي كانت موجودة في عصر المعصومين عليهم السلام، أو الأحكام الواردة في ماء البئر، فهذه الأحكام تشمل في مدلولها الآبار العميقة في عصرنا والتي لم يكن لها وجود في الأزمنة السابقة.
ويمتدّ هذا البحث إلى مسألة «القيميّ» و «المثليّ» حيث نشهد في هذا العصر منتوجات صناعية كثيرة لم تكن في السابق، كأنواع الألبسة والأطعمة ووسائط النقل والأثاث المنزلي وأمثال ذلك.
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٥، ص ٣٠، باب ١٩ من أبواب المهور، ح ٤.
[٢]. سورة المائدة، الآية ١.