موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٦ - ٨ اقتران الفقه الإسلامي بالحكومة بشكل كامل
إشراف الحكومة ودعمها، مثل:
ألف) الأحكام التي تتّصل بالأحوال الشخصيّة وهي ما يدخل في دائرة الأحكام المدنية: كأحكام الطلاق والنكاح والنفقات والأولاد والمهور و ....
على سبيل المثال يقول القرآن الكريم: «وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا» [١].
فالآية الشريفة تأمر الزوج أن يختار أحد طريقين في علاقته مع زوجته، الأوّل: «الإمساك بمعروف» قبل انتهاء العدّة، بمعنى إعادة الزوجة إليه وتأمين الحقوق الزوجية بشكل مقبول، والثاني: «التسريح بإحسان»؛ أي إتمام الطلاق وترك الزوجة تختار طريقها مع أداء جميع حقوقها، والطريق الثالث: أي الإمساك وإعادة الزوجة مع الإضرار بها بدافع الانتقام وهو مرفوض في هذه الآية.
والسؤال الذي يطرح هنا، هو: ما هي الضمانات التي تحتم أن يعمل الزوج بوظيفته الشرعية ويختار أحد الطريقين المشروعين المذكورين في هذه الآية في مقابل زوجته؟ هل يتمّ الاكتفاء بالموعظة والنصيحة لتحقيق هذا الأمر؟ من المعلوم أنّ هذا المعنى لا يتيسر في جميع الحالات والموارد، فهناك موارد كثيرة يقف الزوج في مقابل الحكم الإلهيّ من موقع العناد والتمرّد، فهنا لابدّ من الاستعانة بأدوات السلطة وإجباره على أداء حقوق زوجته من خلال اختيار أحد الطريقين المشروعين.
ونشاهد في عصرنا الحاضر موارد كثيرة من سوء معاملة الرجال لزوجاتهم، بل هناك الكثير من الموارد التي يتزوّج فيها الرجل مرّة ثانية تاركاً زوجته الأولى ويسافر إلى منطقة غير معلومة، ولا يهتم لنصائح المصلحين وتوصياتهم لاختيار الطريق المناسب والصحيح لاستمرار العلقة الزوجية أو الطلاق بشكل يتضمّن أداء حقوق الزوجة. فهل يمكن في مثل هذه الموارد العثور على طريق لحلّ المشكلة سوى طريق الاستعانة بالقوة القهرية وأدوات السلطة من أجل إجبار الزوج على أداء وظيفته الإسلامية ومنح الزوجة حقوقها المشروعة لئلّا تعيش في حالات العسر والحرج الشديدين. وفي البداية يتمّ إلقاء الحجّة عليه بأنّه إمّا أن يطلّق أو يعود إلى الزوجيّة ويعيش مع زوجته بشكل معقول ومناسب، وفي غير هذه الصورة يقوم الحاكم الشرعيّ بتطليق الزوجة وإجبار الزوج على دفع جميع المستحقّات المشروعة للزوجة.
وكذلك بالنسبة لتحقيق بعض أنواع الطلاق في نظر فقهاء أهل السنّة، حيث لا يتمّ ذلك إلّابإذن الحاكم أو السلطان:
«فقالت طائفة: لا يجوز إلّابإذن السّلطان» [٢].
ب) المسائل التي تتّصل بالتعليم والتربية والتي تقع على عهدة الناس وأفراد المجتمع، ومن ذلك ما ورد في الفقه الإسلامي من حقوق الأبناء على الآباء والأمهات في دائرة التعليم والتربية.
يقول أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام بالنسبة لحقوق الأبناء على الآباء:
«إنَّ لِلوَلَدِ على الوَالِدِ حَقّاً، وإنَّ للوَالِدِ على الوَلَدِ حَقّاً. فَحَقَّ الوَالِدِ على الوَلَدِ أن يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إلّا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ؛ وحَقُّ الوَلَدِ على الوَالِدِ أنْ يُحْسِنَ إسْمَهُ، وَيُحسِنَ أدَبَهُ، ويُعَلِّمَهُ القُرآنَ» [٣].
ويقول وهبة الزحيلي:
«لكلّ طفل، منذ ولادته، حقّ
[١]. سورة البقرة، الآية ٢٣١.
[٢]. المحلّى لإبن حزم، ج ١٠، ص ٢٣٥.
[٣]. نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٩.