موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٨
لتغيير تلك الأحكام في هذه الموارد.
كما أنّ الروابط الاقتصادية مثل المعاملات الربوية التي لم يعترف بها الإسلام في الماضي، فإنّ مجرّد تغييرها في الشكل والظاهر لا يؤدّي إلى مقبوليتها وحلّيتها، بل بما أنّها لا زالت تملك الماهية الربوية فإنّ الحكم ببطلانها يبقى على قوّته (انظر: «دور الزمان والمكان في الاستنباط» و «المسائل المستحدثة» «وعدم الفراغ القانوني» في هذا الكتاب).
اعتراف من ماكسيم رودنسون [١]:.
يعتبر «ماكسيم رودنسون» أحد العلماء المعاصرين الذي وقع مورد قبول العالم المعاصر، وحتّى رجال السياسة في العالم الاستكباري أيضاً يهتمّون لآرائه واطروحاته، ويعتبر هذا العالِم ممّا يشار إليه بالبنان في عالمنا المعاصر.
ومن خلال طرح آرائه ونظراته حول حقيقة الإسلام وهويته، يمكن الإجابة هذا السؤال، بالرغم من أنّ جميع الأديان الموجودة في العالم مثل دين بوذا وكنفوسيوس، تدعو الإنسان إلى سلوك طريق الأخلاق و القيم والمعنوية، وخاصّة الأديان السماوية كالمسيحية واليهودية والزرادشتية التي ترفع لواء الدعوة إلى اللَّه والتوحيد والعدالة والتقوى. ومعلوم أنّ جميع هذه المفاهيم والتعاليم تتقاطع مع الأغراض الدنيوية والأطماع السلطوية لقادة الدول الاستعمارية في الغرب.
ولكن لماذا لا تتحرّك هذه الدول الإستعمارية من موقع التصدّي الجادّ لعقائد المسيحية واليهودية والزرادشتية والبوذيّة وما إلى ذلك، في حين أنّها حصرت اهتمامها وعداءها طيلة ألف سنة في مواجهة الدين الإسلامي؟
يقول «ماكسيم رودنسون» المستشرق الفرنسي في كتابه «الإسلام، سياسة وعقيدة»- الذي كتبه في الواقع لنقد الإسلام- لدى مقارنته الدين الإسلامي مع الأديان الأخرى ومع الالتفات إلى حسّاسية الغرب تجاه الإسلام، يقول أنّ سبب ذلك يعود إلى وجود خصوصيتين مهمتين في هذا الدين:
١. إنّ الدين الإسلامي دين عالميّ ولا يختصّ بقوم دون قوم، إنّ أتباع هذا الدين يعتقدون منذ أول إيمانهم أنّه يجب عليهم السعي في نشر تعاليم هذا الدين وأتّباعه حتى وصلوا إلى الهند والصين، خلافاً لكثير من الأديان التي تتّخذ صبغة قومية وجغرافية، ولا يرى أتباعها أنّ دينهم دين شمولي وعالميّ.
٢. إنّ جوهر الدين المسيحيّ يرتبط بعلاقة الإنسان بربّه والغرض «النجاة» فليس في هذا الدين رسالة سوى تقوية المعنوية والعلاقة مع اللَّه، و مؤسّس المسيحية لم يكن أبداً في صدد تأسيس حكومة دينية مسيحية، بل يحترم جميع الحكومات الموجودة، وغاية ما تتوقّع المسيحية بالنسبة لموضوع السياسة، أن يقوم الزعماء السياسيون بالتعاون مع رجال الدين وزعماء الكنيسة في تأسيس وإدارة الكنائس وحرية التبليغ وإرشاد الناس في الكنائس.
أمّا الإسلام فقد طرح مشروعاً كاملًا لأتباعه في حياتهم الفردية والاجتماعية وأوجب عليهم تبليغ هذه الرسالة إلى جميع المجتمعات البشرية في جميع الكرة الأرضية لتحقيق الأهداف المنشودة، كأنّ المسلمين من الناحية الدينية يلتزمون بالنموذج السياسيّ في حكومة المدينة المنوّرة، ويهدفون إلى إقامتها في جميع أنحاء العالم.
[١].١ .Maxime Rodinson .