موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٥ - الثانية إرتباط فلسفة الأحكام مع الحُسن والقُبح الذاتيين للأشياء
ولذلك ورد التصريح في الكتب الأصولية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ المصالح والمفاسد بمثابة علل الأحكام [١]، وذهب بعض العلماء من أهل السنّة المعاصرين إلى أنّ مفردات مثل «علّة»، «سبب»، «مناط»، «دليل»، «باعث» وما إلى ذلك كلّها مترادفة وتقع في عرض واحد. وبالنسبة لتعريف العلّة والماهيّة للحكم الشرعي يقول:
إنّ علماء الأصول عرّفوا «العلّة» بتعاريف مختلفة ولكن بنظرنا أنّ العلّة هي العلامة الواضحة للحكم، من قبيل الإسكار الذي هو علامة على تحريم الخمر، حيث ورد في قوله تعالى: «اجتنبوه» وبالتالي ففي كلّ زمان تتحقّق هذه العلامة عند تناول مشروب معيّن، فإنّ ذلك الشيء يكون من مصاديق شرب الخمر ويعتبر حراماً [٢].
وفي نهاية هذا البحث نرى من الضروري الالتفات إلى هذه النقطة، وهي أنّه لا ينبغي الخلط بين علّة الحكم والعلّة من الحكم، مثلًا: إنّ علّة القصر في صلاة المسافر هي ذات السفر- مع شروط معيّنة- وأمّا الحكمة والمصلحة في هذا الحكم فهو رفع الحرج والمشقّة في السفر مثلًا، وفي النتيجة إذا كان السفر لبعض الناس لا يسبّب أدنى مشقّة، كما في موارد السفر بالوسائل الحديثة حيث أصبح السفر في هذا الزمان أكثر راحة من السابق؛ فإنّه مع ذلك يجب عليه القصر في الصلاة، لأنّ علّة الحكم باقية على حالها والحكم الشرعي يدور مدار وجود العلّة فيه، ومن هنا فإنّ الشخص لو لم يسافر، وبقي في وطنه، ولكنّه كان يواجه مشقّة شديدة من عمله فإنّه لا يحقّ له أن يقصر في صلاته.
ولعلّ الخلط بين علّة الحكم والحكمة منه وعدم التمييز بينهما، أدّى إلى وقوع الأحكام الإلهيّة في مشرحة التحريف والتغيير، وبالتالي تلوّن الأحكام السماوية بلون الأحكام الأرضية والبشرية!
الثانية: إرتباط فلسفة الأحكام مع الحُسن والقُبح الذاتيين للأشياء
ويستفاد من خلال مطالعة الكتب الإسلامية والتدقيق فيها، أنّ مسألة فلسفة الأحكام الإلهيّة والغاية في الأفعال الدينية تتفرّع على مسألة «الحُسن والقبح العقليين»، وعلى حدّ تعبير الإمام الصادق عليه السلام:
«إنّه لم يُجعَل شَيءٌ إلّالِشَيْءٍ» [٣]
، أي أنّ الشارع لم يضع حكماً شرعياً إلّاعلى أساس غاية وهدف، ويقولالعلّامة المجلسيّ في ذيل هذه الرواية: «أي لم يشرّع اللَّه تعالى حكماً من الأحكام إلّالحكمة، ولم يحلّل الحلال إلّا لحُسنه، ولم يحرّم الحرام إلّالقُبحه، وإنّ ما ذهب إليه الأشاعرة أمر نادر، حيث أنكروا الحُسن والقُبح العقليين» [٤] وهذه بدروها من المسائل التي تمتدّ في جذورها إلى مسألة «العدل الإلهيّ».
وتوضيح ذلك: إنّ العلماء قد بحثوا في علم الكلام مسألة «الجبر والاختيار» التي تعدّ من أقدم المسائل المطروحة في هذا العلم، ونعلم أنّ هذه المسألة تتّصل بشكل مباشر بمسألة «العدل الإلهيّ»، لأنّه لا معنى ومفهوم للتكليف الشرعيّ والثواب والعقاب إلّافي صورة القول بالاختيار، فلو لم يملك الإنسان حرّية الاختيار ولم يكن له دور في صياغة مصيره، فإنّ مسألة
[١]. انظر: أنوار الأصول، ج ٢، ص ٤٩٥.
[٢]. أصول الفقه الإسلامي، ص ٣٢٢.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٦، ص ١١٠.
[٤]. المصدر السابق.