موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٥ - مقدمة
عدم الفراغ القانوني في الإسلام
مقدمة:
لابدّ من ذكر النقاطٍ قبل الخوض بالبحث:
أ) إنّ العالم الذي نعيش فيه اليوم يتمتّع بنظام خاصّ وتتحرّك جميع موجوداته باتّجاه هدف معيّن وتحت إشراف الهداية العامة، فمن أصغر الذرّات إلى أكبر الأجرام والمجرّات السماوية المعروفة الآن، كلّها تشهد على هذه الحقيقة، وقد أشار القرآن الكريم: «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى» [١].
ب) إنّ الإنسان غير مستثنى من هذا القانون الإلهيّ التكوينيّ، ولكن بما أنّه موجود يتمتّع بعقل وشعور وتكليف، فإنّ اللَّه تعالى قد قرن الهداية التكوينية فيه مع الهداية التشريعية التي وصلت بواسطة الأنبياء إلىالناس [٢].
ج) ومن جهة أخرى فإنّ الإنسان كائن اجتماعيّ لأنّه يملك حاجات لا يمكن إشباعها إلّافي إطار المجتمع، كما هو الحال في حاجاته الماديّة والعاطفية إلى الآخرين.
د) إنّ الحياة الاجتماعية تؤدّي إلى وقوع التزاحم بين منافع الأفراد، ومضافاً إلى ذلك فإنّ استمرار الحياة الاجتماعية بحاجة لتقسيم الوظائف بين الأشخاص وتستلزم وجود مديرية لحفظ النظام الإجتماعي، وعلى هذا الأساس فإنّ عقل الإنسان يحكم بضرورة وجود قانون يحفظ بقاء الحياة الاجتماعية من جهة، حيث يرفع التزاحمات وأشكال التصادم الموجود بين الأفراد أو يمنع من إيجاد التزاحم بينهم، ومن جهة أخرى يعمل على تقسيم الوظائف الاجتماعية بين الأفراد، وكذلك بحاجة إلى وجود من يقوم بإجراء القانون إجراءً عادلًا.
ه) إنّ تاريخ حياة البشرية يشير إلى وجود سعي حثيث لدى البشرية للتوصّل لقانون مطلوب يحقّق إقامة العدل، وكذلك إلى من يقوم بتجسيد هذا القانون على أرض الواقع الاجتماعي، ولكن بما أنّ معرفة الإنسان عن نفسه ومحيطه ناقصة وتتحرّك في خط التكامل عادة، فإنّ أيّاً من هذه المساعي لم يصل إلى نتيجة قطعية، ولذلك نشاهد وجود إصلاحات وتغييرات كثيرة في دائرة التقنين والحكم، حيث يقوم أفراد البشر بتبديل القوانين الموضوعة من قِبلهم، ولكن هل أنّ القوانين التي قرّرها الإنسان في القرن الحادي
[١]. سورة طه، الآية ٥٠.
[٢]. انظر: التفسير الأمثل، ذيل الآية ٥ من سورة طه.