موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧١ - د) تناسب الأحكام الإسلامية مع الحاجات الواقعية للعصر
هذا الصلح يحقّق منافع كبيرة للإسلام والمسلمين. ومن الواضح أنّ المصلحة التي يراها الحاكم في مثل هذه الموارد تابعة لمقضيات الزمان والمكان، وعلى أساسها يتمّ إصدار الحكم.
ج) التسهيل في أمر المعيشة
مع قبول تغيير الأحكام على أساس تغيير الموضوع، يمكن العثور على نماذج كثيرة من تأثير هذه القضيّة في تسهيل أمور الناس المعاشيّة:
١. ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في جوابه عن إشكال سفيان الثوري على طريقة لباسه حيث قال الإمام عليه السلام:
«... أُخبرك أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كان في زمان مقفر جرب، فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها ومؤمنوها لا منافقوها ومسلموها لا كفّارها ...» [١].
٢. قال أبوبكر الحضرميّ: دخلنا على أبي عبداللَّه (الإمام الصادق عليه السلام) فقاله له حكم السرّاج: ما ترى فيمن يحمل السروج إلى الشام وأداتها؟ فقال:
«لا بأس، أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، إنّكم في هدنة، فإذا كانت المباينة، حرم عليكم أن تحملوا إليهم السروج والسلاح» [٢].
٣. بالنسبة لآداب المعيشة نرى أيضاً تأثير الزمان والمكان، ويستفاد هذا المعنى بوضوح من الرواية المنسوبة إلى أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام أنّه قال:
«لا تُقسِروا أولادَكم على آدابِكم فإنّهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم» [٣].
٤. إنّ العمل والكسب في السابق لم تكن له حدود معيّنة من عمر الشباب والصبيان، ولم يرد في الشرع أمر خاصّ في هذا المجال، ولكن في هذا العصر فإنّ الكثير من المحافل العالمية ومن أجل حفظ الصبيان ودفعهم باتجاه التحصيل العلميّ، فإنّها تضع سنّاً معيّنة للعمل وتمنع من استخدام الأطفال في العمل، وقد وافقت على ذلك بعض المحافل الإسلامية لوجود مصالح قطعيّة في مثل هذه القوانين.
د) تناسب الأحكام الإسلامية مع الحاجات الواقعية للعصر
وأحد المسائل الجديدة في عصرنا الحاضر، استبدال ما كان عليه الناس من البيعة للحاكم في العصور القديمة إلى أخذ رأي أفراد الشعب، واستبدال المصافحة باليد في البيعة بإلقاء أوراق الاقتراع في الصندوق.
والفقيه الذي يرى تدخّل عنصر الزمان والمكان في عملية الاجتهاد يقول: إنّ الموضوع في هذ القضية هو «إعلان الطاعة» للقائد أو الفقيه الحاكم، هذا الموضوع كان في نظر العرف سابقاً يتحقّق بالمصافحة، واليوم يتحقّق بصورة أخرى من خلال وضع آراء الناس في صناديق الانتخاب، وبذلك تُحلّ المسألة.
وببيان آخر: بما أنّ الإسلام يجيب عن احتياجات الإنسان، فإنّ شكل الإستجابة لهذه الحاجات يختلف من زمان لآخر. هذا المعنى يتحقّق من خلال التأكيد على تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد، وما نراه اليوم من وجود «مسائل مستحدثة» إنّما هو من معطيات عنصر الزمان، وهكذا في أرباح العقود المصرفية، بيع وشراء أعضاء الإنسان، بيع وشراء الدم، التأمين
[١]. الكافي، ج ٥، ص ٦٥.
[٢]. المصدر السابق، ص ١١٢.
[٣]. شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد، ج ٢، ص ٢٦٧.