موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦١ - حجيّة ظواهر القرآن والتحقيق في كلمات الأخباريين
يتمكّنوا أو لم يريدوا التفريق بين نظر الأخباريين وسائر الفرق الإسلامية، فهؤلاء ينسبون الأفكار الخاصة بجماعة الأخباريين في هذا المجال لجميع علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام وبدلًا من التحقيق في مجموع الأحاديث الواردة في هذه الموضوع أو الرجوع إلى آراء علماء الشيعة، فإنّهم يختارون روايات خاصة من كتب الشيعة وبصورة انتقائية، وأحياناً يعملون على تقطيع الرواية الواحدة ويستنبطون من هذه الرواية ما عليه عقيدة الأخباريين فيما يخصّ ظواهر القرآن من دون التحقيق في فقه الحديث أو التحقيق في سائر الروايات ومعرفة المخصّص والمقيّد والناسخ والمعارض، وينسبون هذا الموقف السلبي من ظواهر القرآن إلى جميع علماء الشيعة، بل يقرّرون أنّ هذا الموقف هو الموقف الرسمي لمذهب أهلالبيت عليهم السلام [١]!
والعجب ما ورد في أحد هذه الكتب أنّه نسب مقولة خاصة للشيعة عن القرآن الكريم ثمّ ذكر مصدر هذه المقولة من أحد كتب الأخباريين باسم «مشارق الشموس الدرّية» [٢].
على أيّة حال، فإنّ الأخباريين استدلّوا بظواهر بعض الروايات التي لا تدلّ إطلاقاً على مرادهم، ومن جملة هذه الروايات ما ورد من النهي عن تفسير القرآن بالرأي [٣]، والحال أننا نعلم أنّ المراد من تفسير القرآن بالرأي هو أن يترك المفسّر المفهوم الظاهر من الآيات القرآنية لدى العرب، ويفسّرها وفقاً لميوله ورغباته، وبتعبير آخر: أنّه يعمل على إسقاط أفكاره ومسبوقاته على المراد من الآيات الشريفة، وهذالعمل لا يجوز قطعاً وليس له علاقة بموضوع حجّية ظواهر القرآن. أو يستدلّون بالروايات التي تقول: إنّ فهم القرآن يختصّ بالنبيّ والأئمّة المعصومين [٤] في حين أنّ المراد من هذه الروايات هو ما يتّصل بالمتشابهات فقط أو بطون القرآن لا ظواهر القرآن.
والشاهد على هذا لكلام أنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام كانوا يأمرون أصحابهم مرّات عديدة بلزوم الرجوع إلى القرآن الكريم، وحتّى عند تعارض الأحاديث يقولون:
«فإنْ وَجَدْتُمُوه لِلقُرآنِ مُوافِقاً فَخُذوا بِه، وإن لم تَجِدوه مُوافِقاً فَرُدُّوه» [٥].
ونقرأ في بعض الأحاديث [٦] أنّه عندما يسأل الراوي الإمام يقول له الإمام عليه السلام:
«يُعرَف هذا وأمثالُه من كتابِ اللَّه عزّوجلّ
: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» [٧].
أو عندما يسأل الراوي الإمام: ما هو الدليل على كفاية مسح بعض الرأس في الوضوء؟ فيقول له الإمام عليه السلام:
«لِمَكان الباء»
؛ في قول تعالى: «وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ» [٨] التي تعطي معنى التبعيض [٩].
وعلى أيّة حال، فإنّ حجيّة نصوص وظواهر القرآن أوضح من أن تكون بحاجة إلى بحث كثير، وأنّ أفكار الأخباريين في هذا العصر لا تملك من يؤيدها في الحوزات العلمية الشيعية، ويمكن القول أنّها أصبحت من جملة العقائد المنقرضة والتي انتهى زمانها.
[١]. أصول مذهب الشيعة الأثني عشرية، ج ١، ص ١٥٥ وما بعده.
[٢]. موقف الرافضة في القرآن، ص ٣٦٢.
[٣]. وسائل الشيعة، ج ١٨، الباب ١٣ منأبواب صفات القاضي، ح ٢٨ و ٦٦ و ٧٩.
[٤]. المصدر السابق، ح ٣ و ٦ و ٩ و ١٠ و ١٢ و ١٥ و ....
[٥]. المصدر السابق، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي.
[٦]. المصدر السابق، ج ١، الباب ٣٩ من أبواب الوضوء، ح ٥.
[٧]. سورة الحج، الآية ٧٨.
[٨]. سورة المائدة، الآية ٦.
[٩]. انظر: وسائل الشيعة، ج ١، الباب ٢٣ من أبواب الوضوء، ح ١.