موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١ - مفردة الفقه في لسان الروايات
عِبادَةِ رَبِّه» [١].
ج) مخالفة الأشرار في سبيل اللَّه ومعرفة حيل النفس وآفاتها:
«لا يَفْقَهُ العَبْدُ كُلَّ الفِقْهِ حَتّى يَمْقُتَ النّاسَ فِي ذاتِ اللَّهِ وحَتّى لا يَكونَ أحَدٌ أمْقَتُ إلَيه مِن نَفْسِه» [٢].
د) الحلم والصمت:
«مِنْ عَلاماتِ الفِقْهِ، الحِلْمُ، ...
والصَّمْتُ» [٣]
؛ «مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قِلَّةُ كَلامِه فيما لا يَعْنِيه» [٤].
ويتبيّن ممّا تقدّم أنّ «فقيه أهل البيت» في ثقافة الأئمة المعصومين عليهم السلام تطلق على من كان يتمتّع- مضافاً للبصيرة في مسائل الحلال والحرام- بفهم دقيق وبصيرة في مسائل التفسير، والكلام، والعقائد والأخلاق أيضاً، وفي الحقيقة يجب أن يكون مصداقاً ل «العالِم بالإسلام» و «العالِم بالدين».
وهكذا يتبيّن أنّهذا العموم والشمول المفهوميّ لا يختصّ بمجال روايات الفريقين، بل بشكل عام كان هذا المعنى هو الشائع في أدبيات واستعمالات المتشرّعين من السلف الصالح وعصر الصحابة والتابعين أيضاً، وهذه الحقيقة هي التي صرّح بها بعض الأكابركالشهيد الثاني في «منية المريد» [٥] وأبوحامد الغزالي في «احياء العلوم» [٦] أيضاً.
وببيان آخر: كما أنّ كلمة الفقه وردت في لسان روايات الأئمّة المعصومين عليهم السلام في المعنى القرآني الذي هو المعنى اللغوي أيضاً، فإنّ هذه الكلمة وردت في محاورات المتدينين والمتشرّعين بهذا المعنى أيضاً، بل ورد في بعض الكتب أنّ استعمال هذه الكلمة بهذه الصورة استمرّ حتى عصر الإمام الصادق عليه السلام والشافعي وأبي حنيفة؛ لأنّ العلوم الشرعية، أي علم الكلام وعلم الأخلاق وعلم الأحكام لم تكن إلى ذلك الزمان منفصلة عن بعضها، والعالِم والفقيه إنّما يقال للشخص المطّلع على العقائد والأخلاق والفروع الفقهية في وقت واحد، وعلى هذا الأساس يرى أبوحنيفة، أنّ الفقه هو «مطلق معرفة النفس وما ينفعها ويضرّها» وبالطبع فإنّ هذا التعريف يستوعب المحاور الثلاثة المذكورة [٧].
وأيضاً على هذا الأساس سمّى كتابه في العقائد «الفقه الأكبر» وبقيد «الأكبر» فصل العقائد عن الأخلاق والأحكام [٨] كما أنّ الأحكام تمتاز عن الأمور الاعتقادية والأخلاقية بذكر قيد «عملًا» [٩].
في مثل هذا العصر استقلّت العلوم الإسلامية بعضها عن البعض الآخر بسبب اتّساع وتكامل هذه العلوم، وقد تحرّك الإمام الصادق عليه السلام لتربية طلّاب متخصّصين في كل علم من العلوم الدينية، فقد تخرّج من مدرسته في علم الأحكام خاصّة، طلّاب بارزون مثل زرارة و محمّد بن مسلم، ومن هنا فإنّ كلمة «الفقه» تحوّلت بالتدريج، سواء في لسان الروايات أم في لسان المتشرّعة، وبسبب كثرة الاستعمال في خصوص الأحكام الفرعية، بحيث أنّ الشافعي يذكر في تعريفه للفقه التعريف الذي اشتهر بين علماء الفريقين فيما بعد ويقول: «الفقه، علم بالأحكام الشرعيّة العمليّة عن طريق أدلّتها التفصيليّة» [١٠].
[١]. سنن الدارمي، ج ١، ص ٨٩ عن الحسن البصري.
[٢]. كنزالعمّال، ج ١٠، ص ١٨٢، ح ٢٨٩٥٠ عن شدّاد بن أوس.
[٣]. الاختصاص، ص ٢٣٢، عن الإمام الرضا عليه السلام.
[٤]. بحار الأنوار، ج ٢، ص ٥٥، ح ٢٨ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله.
[٥]. منية المريد، ص ١٥٧.
[٦]. المحجّة البيضاء، ج ١، ص ٨١- ٨٣.
[٧]. الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ١، ص ٢٩؛ مرآة الاصول، ج ١، ص ٤٤.
[٨]. موسوعة جمال عبد الناصر، ج ١، ص ٩.
[٩]. الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ١، ص ٣٠.
[١٠]. شرح جمع الجامع للمحلي، ج ١، ص ٣٢.