موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٣ - الثالث نظرية اتّحاد الحقوق والحكومة
عملية استثمار الطبقات المحرومة في المجتمع. وتصل هذه الحالة إلى ذروتها في النظام الرأسمالي، ولكنّ الحتميّة التاريخية تقول أنّ المجتمع البشريّ يسير نحو آفاق الإشتراكية الثانية أو الشيوعية. وفي هذه المرحلة ستزول الملكية الخاصّة وينتهي مفعول الحقوق والدولة.
بمعنى أنّه عندما تقع السلطة بيد أكثرية الناس فلا حاجة حينئذٍ لقدرة قاهرة باسم الدولة لتتكفّل حلّ مشاكل المجتمع وسدّ نقائصه، بل إنّ أكثرية الناس ستتكفل هذا الأمر تجاه الأقلّية، لأنّ الدولة في العصور السابقة إنّما قامت على أساس أنّ الأقلّية تريد التسلّط على الأكثرية في حين أنّ القدرة في المجتمع الشيوعي تكون بيد الأكثرية لا الأقلية.
وكذلك فإنّ المجتمع الشيوعي الثاني لا يحتاج إلى حقوق في أجواء التفاعل الاجتماعي بين الأفراد، لأنّ مثل هذا المجتمع لا مكان فيه لحكومة الإنسان على الإنسان، بل إنّ الناس هم الذين يحكمون على الأشياء، وتحلّ هذه القاعدة «من كلّ حسب طاقته، ولكلّ حسب حاجته» محلّ الحقوق، بمعنى أنّ كلّ شخص يسعى بمقدار طاقته وقدرته من أجل تطوير المجتمع وتحريكه نحو الأهداف المنشودة، وفي ذات الوقت فإنّه يستفيد بمقدار حاجته من الإمكانات الموجودة.
نقد ومناقشة:
إنّ المدرسة الماركسية، مضافاً إلى ما واجهته من هزيمة على مستوى التطبيق والممارسة، وما أثبته الواقع العمليّ من بطلان هذه النظرية بانهيار الاتّحاد السوفيتي والدول التي كانت تدور في فلكه، فإنّه يواجه من الناحية النظرية أيضاً إشكالات وانتقادات كثيرة، نشير هنا إلى بعضها:
١. على الرغم من وجود حتميّة تاريخية تشمل كما يدّعي الماركسيون، جميع المجتمعات البشرية وأنّها تتحرّك بشكل حتميّ نحو المجتمع الاشتراكيّ أو الشيوعي الثاني، فإنّ هذه الحادثة لم تحدث على أرض الواقع الخارجي حتّى في عصر الاتّحاد السوفيتي السابق، بل شاهد العالم التراجع الآيديولوجي لهذه المدرسة عن أصولها الفكريّة ومبادئها النظريّة، حيث أعلن قادة وزعماء هذه المدرسة أنّه ومن أجل الوصول إلى مرحلة المجتمع الشيوعيّ الذي لا تحكمه الدولة فإنّه لابدّ من إيجاد دولة قوية تعتمد على طبقة العمّال لتهيئة الأرضية للوصول إلى المجتمع الاشتراكي اللّاطبقي. وتسمّى هذه الدولة ب «دكتاتورية البروليتاريا» والعجيب أنّ هذه الدولة التي تعتبر مقدّمة للمجتمع المثالي لم تتمكّن وعلى طيلة ما يقارب من ٧٠ عاماً من عمر الاتّحاد السوفيتي السابق، للوصول إلى ذي المقدّمة وإيجاد المجتمع الشيوعي.
٢. إنّ الحاجة للحقوق والدولة لا تنتهي من واقع الإنسان إطلاقاً، لأنّه حتّى لو فرض أنّ جميع أفراد المجتمع بلغوا مستويات عالية من النضج والصلاح والفهم، وزالت الفوارق الطبقية من المجتمع، بل من جميع أفراد البشر بحيث أصبحوا يشكّلون طبقة واحدة، فمع ذلك، فإنّ تقسيم الوظائف بين الأفراد والعمل على حلّ التعارضات وأشكال التزاحم الناشئة من الخطأ الاحتمالي لكلّ فرد في تشخيص دائرة حقوقه وتكاليفه يفرض إيجاد نظام حقوقي وسلطة تتولّى تنفيذ المقرّرات والقوانين الحقوقية، وهذه الحاجة الملحّة في واقع الإنسان والمجتمع البشريّ لا يمكن إنكارها.
مضافاً إلى ذلك، فإنّ وظيفة الدولة لا تنحصر برفع