موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٥ - الثالث نظرية اتّحاد الحقوق والحكومة
كلسن) من موقع قبوله لمدرسة اتّحاد الحقوق والدولة وأنّ إرادة الدولة هي الأساس لمبنى الحقوق، لتأسيس مذهب جديد في هذه المدرسة سمّاه بالمذهب التعبّدي أو نظرية الحقوق المحضة، أو نظرية الأصول المبدئية [١].
والسبب في تسمية هذه النظرية بنظرية الحقوق المحضة هو أنّ كلسن يرى لزوم التحقيق في الحقوق ومطالعتها بعيداً عن جميع مؤثّرات العوامل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، لكي يمكننا الكشف عن حقيقتها ومعرفة ماهيّتها الأصيلة.
وبالرغم من أنّ كلسن لا يعترف بحقوق أخرى غير الحقوق الوضعية، فإنّه يرى ارتباطاً وثيقاً بين الدولة والحقوق، ويقول: إنّ الحقوق ناشئة من الدولة، والدولة بدورها مجموعة من الحقوق. ويمثّل كلسنلذلك بمثال ملفت للنظر، ويقول: «كما أنّ اللَّه في نظر الإلهيين هو الخالق والمدبّر لعالم الوجود، وفي ذات الوقت فإنّه غير منفصل عن عالم الوجود، فإنّ الدولة أيضاً هي المؤسسة والحافظة للحقوق، وفي ذات الوقت لا تقع خارج دائرة هذه الحقوق» [٢].
ويؤكّد كلسن في كتابه (النظريّة العامّة للحقوق والدولة)، أنّ الحقوق ليست سوى أحكام صادرة من قِبل دولة ولا تتمتّع بضمانة إجرائية. ثمّ يجيب عن هذا السؤال، وهو: هل يجب على الدولة ملاحظة عنصر العدالة في الأحكام الصادرة منها، أم لا؟ فيقول: إنّ النظرية الحقوقية الخالصة بما أنّها علم من العلوم لا يمكنها الإجابة عن هذا السؤال، لأنّ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بشكل علميّ. فماذا يعني القول أنّ النظام الفلاني عادل، هل يعني أنّ النظام الحقوقي العادل هو الذي يعمل على تنظيم سلوكيات الأفراد بشكل يكسب رضا جميع الأفراد وقبولهم له؟
وبهذا المعنى لا يوجد أيّ نظام عادل، لأنّه في هذه الصورة لابدّ من وجود تضادّ بين رضا الناس وقبولهم وأنّ سعادة أحدهم تتقاطع مع سعادة الآخر. وحتّى على أساس هذا التصوّر، وهو أنّ النظام العادل يسعى لتوفير الحدّ الأكثر من السعادة لعدد أكبر من الأفراد، فأيضاً لا يمكن تحقيق النظام العادل، لأنّ السعادة التي تتحقّق في النظام الاجتماعي تقع في دائرة السعادة الجمعية أي إشباع الحاجات التي يتصوّرها أولياء الأمور والمقنّنون، فهؤلاء يتحرّكون على مستوى قبول بعض الحاجات المناسبة وإرضائها كالحاجة إلى الغذاء واللباس والمسكن، ولكن يثار أيضاً هذا السؤال، وهو:
أيّ حاجة من هذه الحاجات البشرية يجب إرضاؤها؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بأدوات المعرفة العقلانية، فالإجابة عنها تعتمد على عنصر التحكيم من خلال القيم، أي أنّها ذات طبيعة قيمية يتمّ تشخيصها بواسطة عوامل الإحساس والشعور النفساني. وعليه فإنّها تملك فضيلة ذهنية وتكون معتبرة لدى الشخص نفسه، وهو الذي يقوم بتعيين وتشخيص المصاديق، ومن هنا فهي نسبيّة [٣].
والنتيجة المستوحاة من آراء كلسن أنّ الحقوق يجب أن تتولّى حلّ التعارض في دائرة منافع الأفراد والعمل على إيجاد وتحقيق النظام في واقع المجتمع بدون اللجوء إلى أصل العدالة، والفرق بين نظرية كلسن
[١]. انظر: فلسفة الحقوق، ج ١، ص ٢٢٧؛ مقدمة على الحقوق الإسلامية، ج ٢، ص ١٣٣ (بالفارسيّة).
[٢]. مقدّمة على الحقوق الإسلامية، ج ٢، ص ١٣٤ (بالفارسيّة).
[٣]. النظريّة العامة للحقوق والدولة، تأليف هانس كلسن، ص ٣ نقلًا عن مقدمة على الحقوق الإسلامية، ج ٢، ص ١٣٥ و ١٣٦ (بالفارسيّة).