موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥ - أهميّة «الفقه» في دائرة الروايات
موارد الحرم، فإنّ أحكام الحلال والحرام التي يبيّنها الفقه تعدّ حدوداً إلهيّة لهذا الحريم المقدّس، وإذا أراد الإنسان معرفة الحدود الإلهيّة والتعرّف على «الخطوط الحمراء» والنواهي الإلهيّة فيجب عليه تعلّم «الفقه».
واللافت للنظر أنّ القرآن الكريم في العديد من الآيات بعد أن يتحدّث عن الأحكام المتعلّقة بأبواب من قبيل الصيام [١]، الطلاق [٢]، الإرث [٣]، الجهاد [٤] والظهار [٥]، فإنّه يذكر عبارتين في هذا الصدد. الأولى: « «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» [٦]؛ أي أنّ ما ذكرناه من الأحكام هي حدود إلهيّة، والأخرى التهديد لمن يتعدّى ويتجاوز هذه الحدود والخطوط الحمراء أنّ عاقبته هي الخلود في نار جهنّم لأنّه يمثّل الظلم «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» [٧] «وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا» [٨].
وقد ورد التعبير ب «الحدّ» للأحكام الإلهيّة في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول:
«إنّ اللَّه تَبارَك وتَعالى لَم يَدَع شَيئاً تَحتاجُ إليه الأمَّةُ إلّاأنزَلَه في كتابهِ وبَيَّنهُ لِرَسولِه وجَعَل لِكُلِّ شَيءٍ حَدّاً وجَعَل عليه دَليلًا يَدُلُّ عليه وجَعَل على مَن تَعدّى ذلِك الحَدّ حَدّاً» [٩].
أهميّة «الفقه» في دائرة الروايات:
نظراً لما تقدّم آنفاً من أنّ «الفقه» عبارة عن منهج حياة للناس يتضمّن في طيّاته أبعاد حياة الإنسان الشخصية والإجتماعية والسياسية المختلفة، فإنّنا نرى أنّ الفقه يحظى بأهميّة كبيرة في الروايات الشريفة بما يمثّله من علم بالمسائل الشرعية وأحكام الحلال والحرام، ومن ذلك:
أ) ما ورد في بعض الروايات أنّ «الفقه» يمثّل «عمود الدين»:
«إنّ لِكُلِّ شَيءٍ دِعامةً ودِعامةُ هذا الدِّين الفِقه» [١٠]
و
«أَفْضَلُ العِبادَةِ الفِقهُ» [١١]
و
«ما عُبِد اللَّه تعالى
بشَيءٍ أفْضَل مِن الفِقه في الدّين» [١٢]
فإنّ التعبير «بالفقه» في مثل هذه الموارد أو بقرينة الروايات التي ورد فيها التعبير بالحلال الحرام
«و هَل يسأل النّاسُ عن شَيءٍ أفضَل من الحَلال والحَرام» [١٣]
فإنّ هذاالمعنى يختصّ بالأحكام الفرعية أو يراد به معنىً عامّاً بحيث يشمل الأحكام الدينية الفرعية أيضاً.
ب) ورد في روايات أخرى أنّ الفقه والبصيرة في الدين التي تشمل البصيرة في أمور الحلال والحرام، قطعاً يمثّل الخير الذي يهبه اللَّه تعالى لعبده
«إذا أرادَ اللَّهُ بعَبدٍ خَيراً فقَّهَه في الدّين» [١٤].
ج) ورد في بعض الروايات أنّ تعلّم
«مَعالِم الحَلالِ والحَرام»»
يعدّ فريضة على كلّ مسلم، حيث يجب عليه اكتسابه من أهله، هذه الفريضة التي يعتبر تعليمها في سبيل اللَّه «حسنة» وطلب هذا العلم «عبادة» والبحث
[١]. سورة البقرة، الآية ١٨٧.
[٢]. سورة البقرة الآية ٢٢٩ و ٢٣٠؛ سورة الطلاق، الآية ١.
[٣]. سورة النساء، الآية ١٣ و ١٤.
[٤]. سورة التوبة، الآية ٩٧.
[٥]. سورة المجادلة، الآية ٤.
[٦]. سورة الطلاق، الآية ١.
[٧]. سورة الطلاق، الآية ١.
[٨]. سورة النساء، الآية ١٤.
[٩]. الكافي، ج ١، ص ٥٩، ح ٢.
[١٠]. الكامل لعبداللَّه بن عدي، ج ١، ص ٣٧٨، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.
[١١]. الخصال، ج ١، ص ٢٩، ح ١٠؛ المعجم الصغير للطبراني، ج ٢، ص ١٢٤؛ روضة الواعظين، ص ٦.
[١٢]. اصول السرخسي، ج ١، ص ١٠، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.
[١٣]. بحار الأنوار، ج ١، ص ٢١٣، ح ٩.
[١٤]. الكافي، ج ١، ص ٣٢، ح ٣؛ مسند أحمد، ج ٤، ص ٩٢ عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.