موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢ - الفقه في اصطلاح الفقهاء والاصوليّين
وبالطبع فإنّ المدّعى هو أنّ ما حدث في هذا العصر يعكس أنّ كثرة استعمال كلمة «الفقه» حوّلت مصداقاً خاصّاً إلى حقيقة في المعنى، بحيث لا يحتاج إلى ضمّ قرينة لإرادة ذلك المصداق من هذه الكلمة، لا أنّ أصل استعمال كلمة الفقه تحقّق كذلك في خصوص الأحكام الفرعية في هذا العصر، بل كان هذا المعنى يستعمل قبل هذا العصر أيضاً في الأحكام الفرعية.
والشاهد على هذا المدّعى هو الروايات الواردة في العصر الأول، حيث استخدمت كلمة «الفقه» و «التفقّه» مع القرينة في خصوص الأحكام الفرعية، منها الرواية التي أوردها الفتّال النيسابوري في «روضة الواعظين» عن عليّ عليه السلام حيث قال:
«مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِيْنِهِ ثُمَّ اتَّجَرَ، ارْتَطَمَ فِي الرِّبا» [١]
. والرواية الأخرى الواردة في «دعائم الاسلام» عن الإمام عليّ عليه السلام أيضاً أنّه قال:
«الفِقْهُ ثُمَّ المَتْجَرُ، فإنَّ مَنْ باعَ واشْتَرى وَلَمْ يَسْأَلْ عن حَلالٍ وحَرامٍ ارْتَطَمَ في الرِّبا» [٢]
. والرواية الواردة في «الكافي» عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال على المنبر:
«يا مَعْشَرَ التُّجَّارٍ! الفِقْهُ ثُمَّ المَتْجَرُ، الفِقْهُ ثُمَّ المَتْجَرُ، الفِقْهِ ثُمَّ المَتْجَرُ، واللَّهِ لَلرِّبا في هذِهِ الامَّةِ أخْفى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ على الصَّفا» [٣].
ظاهر هذه الروايات بقرينة أنّها تتحدّث عن مسألة الربا وهي من الأحكام الفرعية، هو أنّ المقصود من «الفقه» ما يتعلّق بالمسائل الشرعية والأحكام الفرعية المرتبطة بأبواب المعاملات.
الفقه في اصطلاح الفقهاء والاصوليّين:
يتبيّن ممّا تقدّم آنفاً أنّ استعمال كلمة «فقه» في إحدى الآيات القرآنية في خصوص البصيرة والفهم الدقيق في مسائل الدين: «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» أدّى إلى أن تستخدم هذه الكلمة في الروايات بمعنى البصيرة والفهم الدقيق في الأمور الدينية، أي أنّ هذه الكلمة وردت في الروايات وعلى لسان المتشرعين أيضاً بذلك المعنى اللغوي، والتغيير الحاصل هنا هو أنّ هذه الكلمة استخدمت في المسائل الدينية فقط، وهذه المحدودية التطبيقية استمرّت إلى عصر تفكيك العلوم الدينية، ففي ذلك العصر وهو عصر الإمام الصادق عليه السلام نشاهد استقلال وتفكيك العلوم والمعارف الدينية كعلم التوحيد أو علم الكلام، علم الأخلاق «معرفة النفس» علم التفسير و ...
من جسد الفقه، وبذلك اختصّ الفقه بالأحكام الفرعية، وفي هذه الفترة بالضبط بدأ اصطلاح جديد بالظهور لدى الفقهاء والمتشرّعة من حيث محدودية التطبيق لهذه الكلمة «لا في أصل المعنى وهو الإدراك الدقيق» في هذا العصر نجد أنّ مثل الشافعي يعرّف الفقه بأنّه:
«العلم بالأحكام الشرعيّة العمليّة من طريق الأدلّة التفصيليّة» [٤] وهذا التعريف نجده كذلك بهذا التعبير في كلمات الفقهاء والأصوليين لدى الفريقين [٥]، والفرق الوحيد هو وجود كلمة «فرعية» في كلمات فقهاء الشيعة كالشيخ الطوسي وصاحب المعالم بدل كلمة «عمليّة»، وقد جاء كلا التعبيرين «عمليّة وفرعيّة» في عصرنا الحاضر في بعض كتب أهل السنّة.
وبديهي أنّه مع قيد «فرعيّة» تخرج اصول الدين وأصول الفقه، ومع قيد «عمليّة» تخرج المسائل
[١]. شرح جمع الجامع للمحلي، ج ١، ص ٣٢.
[٢]. عدّة الأصول، ج ١، ص ٢١؛ معالم الدين، ص ٣٣؛ الأصول العامةللفقه المقارن، ص ١٥.
[٣]. روضة الواعظين، ج ٢، ص ٤٦٥.
[٤]. دعائم الإسلام، ج ٢، ص ١٦، ح ١٢.
[٥]. الكافي، ج ٥، ص ١٥٠، ح ١.