موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٥ - كلام القائلين بالهدفيّة
والمحقّقين من أهل السنّة إلى أنّه لا خلاف بين العقلاء على أنّ شرائع الأنبياء تدور حول محور تحقيق مصالح الناس في أمورهم الدينية والدنيوية، ومن هؤلاء:
يقول المفسّر المعروف «القرطبي» (م ٦٧١) في تفسيره:
«لا خلاف بين العقلاء أنّ شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينيّة والدنيويّة» [١].
ويقول عالم آخر من أهل السنّة وهو «ابن القيّم» (م ٧٥١) في كلامه عن أنّ القرآن وسنّة النبيّ صلى الله عليه و آله زاخرة بتعليل الأحكام بالمصالح والأغراض: «إذا كانت مثل هذه الموارد في حدود مائة أو مائتين تركناها، ولكنّها أكثر من ألف مورد».
ثمّ أنّه يتحدّث عن موضوع التعليل الوارد في القرآن والأحاديث الشريفة بأنواع مختلفة. فأحياناً يرد التصريح بالهدفية ب
«لام التعليل»
وأحياناً أخرى تتحدّث النصوص عن المقصود الحقيقي للفعل ب
«المفعول لأجله»
، وثالثة ب أداة
«كَيْ»
وغير ذلك، يقول:
«إنّ القرآن من أوّله إلى آخره زاخر بالحكم والمصالح في عالم التشريع والتكوين، ولايمكن إنكار ذلك لمن له أدنى معرفة بالقرآن الكريم» [٢].
ويتحدّث ابن القيّم أيضاً في كتابه المعروف «أعلام الموقّعين عن ربّ العالمين» عن موضوع حجّية القياس لتأييد مسألة الغرضية في الأحكام الإلهيّة، ويذكر عنوانين لهذه لمسألة:
١. «القرآن يعلّل الأحكام»: ويستدلّ في هذا المجال بآيات كثيرة تدلّ على وجود الغرضية في الأحكام الإلهية.
٢. «النّبيّ يعلّل الأحكام»: وينقل هنا أحاديث كثيرة تتضمّن بيان الأغراض الكامنة في الأحكام الإلهية [٣].
والآخر من علماء أهل السنّة القائلين بالغرضية في الأحكام، والذي بحث هذا الموضوع بشكل مفصّل ومشروح هو:
«أبو إسحاق إبراهيم بن موسى»
المعروف ب
«الشاطبي»
وهو من كبار فقهاء المذهب المالكي وكان يعيش في
غرناطة
في القرن الثامن، حيث ولد في العقد الثالث من القرن الثامن وتوفّي عام ٧٩٠ للهجرة.
يقرّر
«الشاطبي»
في كتابه المعروف «الموافقات» أنّ الشرائع السماوية إنّما وضعت من أجل تحقيق المصالح الدنيوية والأخروية للبشر، ويثبت بآلية الاستقراء أنّ جميع التكاليف الواردة في الشريعة تنطلق من موقع حفظ مصالح العباد، وهذه المصالح إمّا ضرورية، أو مورد حاجة الناس بشكل عام أو من الأمور التي تحقّق لهم الكمال المعنوي والانساني.
ثمّ يضيف قائلًا: إنّ المصالح إمّا مقاصد ضرورية- والتي تستكشف من خلال استقراء الأحكام في الشريعة- وهي على خمسة موارد:
حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ النسل، حفظ المال، وحفظ العقل.
ثمّ يشير إلى اتّفاق المعتزلة وأكثر الفقهاء المتأخرين على وجود الهدفية في الأحكام ويشير إلى مخالفة الفخر الرازي في هذا الصدد، ويقول: والمعتمد إنّما هو أنّا استقرينا من الشريعة أنّها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي، ولا غيره، فإنّ اللَّه تعالى يقول في بعثة الرسل وهو الأصل:
[١]. الجامع لأحكام القرآن، ج ٢، ص ٦٣ و ٦٤.
[٢]. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ج ٢، ص ٣٧٤.
[٣]. أعلام الموقّعين عن ربّ العالمين، ج ١، ص ١٨٧- ١٩٠.