موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - ٥ علم أصول الفقه
عن ضدّه وأمثال ذلك من المسائل التي تدخل في دائرة الاستدلال بالعقل.
٢. في مورد الشبهات الحكميّة التحريميّة في صورة فقدان النصّ. فإذا لم يعثر المجتهد على دليل معتبر بعد الفحص والتحقيق الكامل، فإنّ الأصوليين يذهبون إلى جواز التمسّك بأصل البراءة في هذا المورد في حين أنّ الأخباريين يرون لزوم العمل بالاحتياط، وفي مورد الشكّ بالحرمة حكموا أيضاً بوجوب الاحتياط.
٣. بالنسبة لحجّية ظواهر الكتاب؛ قيل أنّ الأخباريين لا يرون ظواهر الكتاب حجة، ولكنّ الأصوليين يعتقدون بحجّيتها.
وينبغي الالتفات هنا إلى أنّ هذا النزاع في هذه المسألة صغروي لا كبروي [١]، أي أنّ كلا الفريقين يرى أنّ سيرة الشارع المقدّس في إفهام المخاطبين هي نفس سيرة العقلاء والناس العاديين في محاوراتهم اليومية في التمسّك بظواهر كلام المتكلّم، بمعنى أنّه كما أنّ سائر الناس يعتمدون في مقام تفهيم المخاطبين على أصل عدم القرينة، فإنّ الشارع المقدّس في سيرته ونهجه يتبع هذا المنهج أيضاً، ولكن الأخباريين يدّعون أنّ الخطابات القرآنية ليست في مقام إفادة المقصود والمراد وما لم تقترن بتفسير النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وأهل البيت عليهم السلام، فإنّها لا ظهور لها لوحدها، لا أنّ لها ظهوراً ولكنّه غير حجّة [٢].
ويتبيّن ممّا تقدّم آنفاً أنّ موارد الخلاف بين الأصوليين والأخباريين نادرة جدّاً ومحدودة، وهذا المقدار من اختلاف النظر بين فقهاء وعلماء الإسلام يعدّ طبيعياً وعادياً، كما هو الحال في وجود خلاف في الرأي بين علماء الإسلام في مسائل مختلفة، وهذا المقدار من الخلاف لا يوجب أن يتحرّك العلماء الأخباريون في إنكارهم على آراء علماء الأصول من موقع الذم والتقبيح، وكذلك الحال بالنسبة لإشكالات علماء الأصول على الأخباريين غير صحيحة أيضاً، والشاهد على هذا المطلب ما ورد في كتاب الحدائق الناضرة، للشيخ يوسف البحراني الذي يعتبر من المحدّثين المشهورين في القرن الثالث عشر [٣].
وعلى هذا الأساس فإنّ الخلاف بين الأخباريين والأصوليين حاله حال الخلاف بين الأصوليين أنفسهم حول بعض مسائل علم الأصول، وهذا الخلاف في النظر والرأي لا يوجب أن يتّخذ كلّ واحد منهما جبهة في مقابل الآخر.
إنّ هذه الاختلافات موجودة بنحو آخر وبشكل أعمق بين أهل الحديث وأهل الرأي، أو بين الظاهريين وأهل الرأي في دائرة علماء أهل السنّة أيضاً.
فأصحاب مدرسة الحديث الذين يرفضون استخدام الرأي والقياس، ينقلون أحاديث وكلمات في ذمّ أصحاب الرأي والتشنيع عليهم [٤].
كما أنّه يوجد بين علماء أهل السنّة من يخالف علم الأصول ويطرح شبهات في هذا المجال أيضاً [٥].
[١]. فرائد الأصول، ص ٣٤.
[٢]. أنوار الأصول، ج ٣، ص ٦٢٣ و ٦٢٤.
[٣]. الحدائق الناضرة، ج ١، ص ١٦٩.
[٤]. ومن أجل الاطلاع على تهاترات واختلافات أهل الحديث وأهل الرأي انظر: اعلام الموقعين، ج ١، ص ٤٣-/ ٤٩؛ الملل والنحل للشهرستاني، ص ١٦٦ و ١٦٧.
وقد صرّح الشهرستاني: بأنّه برزت بين هذين الفريقين (أهل الرأي وأهل الحديث) اختلافات كثيرة في الفروعات وألفت كتب كثيرة حول أفكارهم وجرت مناظرات كثيرة أيضاً.
[٥]. انظر: المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، الدكتور عبدالكريم النملة، ج ١، ص ٤٥- ٥٢.