موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - ٥ علم أصول الفقه
وببيان آخر: يتبيّن من خلال التتبّع في أخبار النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وأهل البيت عليهم السلام أنّ قواعد هذا العلم كانت تستخدم بشكل متناثر وبسيط بين أصحاب النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وأهل البيت الطاهرين عليهم السلام من قبيل أحكام الخبرين المتعارضين، الاستصحاب، العامّ والخاصّ، المطلق والمقيد، الناسخ والمنسوخ، المحكم والمتشابه، جواز نقل الحديث بالمعنى ومسألة الإفتاء وتقليد العوام وأمثال ذلك. فهذه كلّها من مسائل علم الأصول التي كانت سائدة في تلك العصور.
أجل، هذه كلّها أصول وقواعد كانت تستخدم في ذلك الوقت وبشكل بسيط وغير مدوّن، وهذا لا يعني عدم وجود علم الأصول والقول بأنّه بدعة يجب اجتنابه!!
ثانياً: تمّ تدوين كتب متعدّدة في تلك العصور ولم تقع مورد إنكار الأئمّة المعصومين عليهم السلام وفقهاء الإسلام، مثل كتاب «اختلاف الحديث ومسائله» ليونس بن عبدالرحمن (م ٢٠٨) الذي يبحث في مسألة التعادل والتراجيح، وهي من بحوث علم الأصول. وكان يونس هذا من أصحاب الإمام موسى بن جعفر وعليّ بن موسى الرضا عليهما السلام [١].
والكتاب الآخر الذي ألّفه أبو سهل النوبختي، إسماعيل بن عليّ بن إسحاق، وسمّاه «الخصوص والعموم»، ويتضمّن أحد بحوث علم الأصول [٢].
نزاع لفظيّ:
الحقّ أنّ النزاع بين الاصوليين والأخباريين في هذه المسألة ليس واقعياً أو ماهوياً، بل هو على نحوين:
أحدهما لفظيّ والآخر معنويّ.
أمّا القسم الأوّل. فيتضمّن البحوث التي تحدّث فيها ودافع عنها الأخباريون ومنهم محمّد أمين الاسترآبادي وتعدّ هذه البحوث من جملة مواضيع علم الأصول.
وتوضيح ذلك: بما أنّ الأخباريين يرون انحصار الدليل على الأحكام بالكتاب والسنّة، والسنّة بدورها ليست متواترة في جميع الموارد ولا توجد قرينة مفيدة للعلم مع جميع الأخبار، فلهذا تمسّك الأخباريون بأخبار الآحاد وادّعوا أنّ حجيتها قطعية، وكذلك لابدّ من قبولهم بحجّية ظواهر الألفاظ، وفي موارد تعارض الأخبار لابدّ لهم من العمل بقواعد باب التعادل والتراجيح، وفي مورد فقدان المرجّح العمل بالتخيير، وفي مورد فقدان النصّ لابدّ لهم من الرجوع إلى الأصول العملية رغم أنّ الأصل العملي الذي يقول به الأخباريون في هذا المورد هو أصل الاحتياط.
ولا شكّ في أنّ هذه المسائل تعدّ من مباحث علم الأصول، إذن فالأخباريون من أجل تنقيح قواعد التعادل والتراجيح وإثبات حجّية خبر الواحد وظواهر الألفاظ وأصالة الاحتياط، بحاجة أكيدة للاستعانة بعلم الأصول وإن لم يطلقوا عليه علم الأصول. إذن فإنكارهم لهذا العلم في مثل هذه الموارد غير واقعيّ، بل بمثابة نزاع لفظيّ، لأنّهم يتحرّكون عملًا على مستوى الاستفادة من هذا العلم [٣].
والشاهد على ذلك ما ذكره المحدّث البحراني رحمه الله صاحب كتاب «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة عليهم السلام» في مقدّمة هذا الكتاب. ومع أنّ هذا المحدّث يعدّ من جملة المحدّثين والأخباريين
[١]. معجم رجال الحديث، ج ٢٠، ص ١٩٩.
[٢]. رجال النجاشي، رقم ٦٨، ص ٣١.
[٣]. أنوار الأصول، ج ٣، ص ٦٢٣.