موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٧ - ٥ علم أصول الفقه
المعروفين، إلّا أنّه ذكر في مقدّمة كتابه اثني عشر بحثاً وأكثرها من بحوث علم الأصول، مثلًا تحدّث في المقدّمة الثانية عن حجّية خبر الواحد، وفي المقدّمة الثالثة تحدّث في بحث مدارك الأحكام الشرعية ومنها حجّية ظواهر الكتاب والإجماع وأصالة العدم وأصل البراءة في الشبهات الوجوبية، ومقدّمة الواجب، ودلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضدّه، وقياس الأولوية وقياس منصوص العلّة، ومعلوم أنّ جميع هذه البحوث تعدّ من مسائل علم الأصول.
وذكر في المقدّمة السادسة، بحثاً في تعارض الأدلّة، وفي المقدّمة السابعة تحدّث عن دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة، وفي المقدّمة الثامنة، بحث في الحقيقة الشرعيّة، وفي المقدّمة التاسعة بحث في معنى ومفهوم المشتق، وفي المقدّمة العاشرة استعرض حجّية الدليل العقلي وعدمها، وفي المقدّمة الحادية عشر ذكر بعض القواعد الفقهية [١]. وأغلب هذه الأمور هي من مسائل علم الأصول.
وتبيّن لحدّ الآن أنّ كلا الفريقين (الأخباريّ والأصوليّ) بالنسبة لهذه المسائل والبحوث يريان لزوم التحقيق فيها، وهي تمثّل أهم مسائل علم الأصول. إذن فهذا النزاع في الواقع لا يدور حول محور إنكار علم الأصول بشكل واقعي ومعنوي، بل بشكل لفظيّ وصوريّ.
القسم الثاني. الموارد التي دار الكلام فيها وكان النزاع فيها معنوياً وحقيقياً رغم أنّها قليلة جدّاً، ورغم أنّ البعض كالشيخ عبداللَّه بن صالح البحراني في كتابه «منية الممارسين في أجوبة مسائل الشيخ ياسين» ذكر أنّ موارد الاختلاف ثلاثة وأربعين مورداً [٢]، ولكنّ الحقّ أنّ هذا العدد لا يمثّل رقماً واقعياً لأنّ عدداً كبيراً من هذه المسائل هي في الواقع من فروع دليل العقل الذي ينكره الأخباريون، وعليه فالصحيح هو القول أنّ موارد الاختلاف بين الأصوليين والأخباريين لا تتجاوز عدد الأصابع، والعمدة فيها ثلاثة موارد:
١. الخلاف في عدد الأدلّة الشرعيّة، حيث أنّها عند الأصوليين أربعة أدلّة؛ الكتاب، السنّة، الإجماع والعقل.
وأمّا لدى الأخباريين فتنحصر الأدلة بالكتاب والسنّة، ولكن مع قليل من التأمّل يتّضح أنّ هذا الاختلاف جزئيّ، لأنّ الكثير من أصوليي الإمامية يرون أنّ الإجماع حجّة من باب كاشفيته عن رأي المعصوم عليه السلام ونظره لا أنّه حجّة بنفس اتّفاق وإجماع العلماء والفقهاء. وبالتالي فإنّ الإجماع الذي يمثّل أحد الأدلّة عند الأصوليين يعود إلى السنّة أيضاً.
وأمّا دليل العقل، فالأخبايون لا ينكرون حجّيته بشكل مطلق، بل إنّهم في بعض الموارد يقولون بحجّية العقل ولا ينكرونها إلّافي بعض الموارد، مثلًا بالنسبة للأحكام البديهية العقلية والأحكام النظرية التي تبتني على مقدّمات حسّية كالرياضيات والفلك فالأخباريون يرونها حجّة، ولكنّ الأحكام العقلية النظرية التي لا تقوم على أساس مقدّمات حسّية أو قريبة من الحسّ فإنّهم لا يرونها حجّة، ويستدلّون لذلك بوجود أخطاء كثيرة في الأدلة العقلية النظرية، ومن هنا فلا يمكن الاعتماد عليها في عملية التفقه.
ولهذا السبب فإنّ الأخباريين وافقوا على جملة من المسائل العقلية الأصولية، من قبيل مقدّمة الواجب ومسألة اجتماع الأمر والنهي ودلالة الأمر على النهي
[١]. الحدائق الناضرة، ج ١، ص ١٣٣.
[٢]. المصدر السابق، ص ١٦٧.