موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٦ - ٥ التردّد بين المعنى الحقيقي والكنائي أو المجازي للّفظ
النساء: «وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلًا».
في هذه الآية الشريفة نهى القرآن الكريم عن نكاح الأبناء لزوجات الآباء، ولكن هل يشمل هذا الحكم المرأة التي نكحها الأب بطريق غير مشروع، أم يختصّ بالنكاح المشروع؟
ذهب الشافعي ومالك (في الموطّأ) إلى أنّه يشمل الزنا أيضاً، وأمّا أبوحنيفة وأحمد فقد ذهبا إلى عدم شموله لحالة الزنا، ولذلك يكون مفاد الآية حرمة زواج الإبن من زوجة الأب الشرعية فقط، وأمّا إذا كان الأب قد زنا بها فإنّ الإبن يمكنه الزواج من هذه المرأة.
وأصل هذا الاختلاف يعود إلى مفردة «النكاح» فقد جاءت في اللغة بمعنى مطلق الوطء والجماع سواءً كان بصورة شرعية أم غير شرعية، وأمّا في الشرع فقد جاءت بمعنى عقد النكاح الصحيح، ولكن لا يعلم هل مراده تعالى من كلمة «نكاح» في «ما نكح آباؤكم» هو معناها اللغوي أم الشرعي [١]؟ ولكن الحق أنّ هذه المفردة جاءت في اللغة والعرف بمعنى العقد، كما ذكر ذلك الراغب في «مفرداته» وليس للنكاح معنيان:
شرعي ولغوي.
٥. التردّد بين المعنى الحقيقي والكنائي أو المجازي للّفظ
على سبيل المثال فإنّ القرآن الكريم يقرّر في الآية ٤٣ من سورة النساء: «وَإِنْ كُنتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً».
حيث تتحرّك هذه الآية الشريفة من موقع إصدار الأمر إلى المسلمين أنّكم إذا لامستم النساء ولم يكن لديكم ماء فيجب عليكم التيمّم، أي أنّ ملامسة النسوة ينقض الطهارة ويبطلها.
فهل المراد من هذه الملامسة معناها الكنائي، أي المقاربة الجنسية مع النساء، أم المعنى الحقيقي الذي يصدق على أيّ اتصال بدني بين الرجل والمرأة؟
ذهب جماعة من الفقهاء مثل: ابن مسعود، ابن عمر، عبيدة، النخعي، الشعبي، عطاء، ابن سيرين والشافعي إلى أنّ المراد هوالمعنى الحقيقي للملامسة سواء ملامسة بدن المرأة بيده أم بمعنى التقاء الختانين (الجماع).
وذهب آخرون، منهم: ابن عباس، الحسن، قتادة ومجاهد من القدماء وكذلك عامة فقهاء الإمامية [٢] إلى أنّ المراد هو المعنى الكنائي يعني (الجماع).
وعلى هذا الأساس فقد اختار أكثر أهل السنّة مثل:
المالكية، الشافعية والحنبلية، الاحتمال الأوّل وقالوا ببطلان الوضوء بمجرّد وقوع تماس بدني بين الرجل وأعضاء ظاهرة من بدن المرأة من موقع الشهوة.
وفي مقابل ذلك اختار الإماميّة والحنفية والإمام أحمد (على رواية ثالثة منه) الاحتمال الثاني وذهبوا إلى عدم بطلان الوضوء عند ملامسة جسد المرأة.
والجدير بالذكر أنّ المالكية والحنابلة إنّما يرون ملامسة بدن المرأة ناقضاً للوضوء إذا كان عن شهوة، وأمّا الشافعية يرون أنّ مجرّد تحقّق الملامسة مع بدن غير المحارم حتّى لو كان بدون شهوة فهو ناقض للوضوء أيضاً [٣].
[١]. اثر الاختلاف في القواعد الاصولية، ص ٨٠.
[٢]. الخلاف، ج ١، ص ١١٠ و ١١١.
[٣]. أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص ١٧٦ و ١٧٧.