موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١١ - خصائص هذه المرحلة
صريح الألفاظ، حتّى أنّ مسألة لو غيّر لفظها وعبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها وقصر فهمهم عنها، وكنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية، وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم وأصولها في المسائل وفرّقوه في كتبهم، ورتّبته ترتيب الفقه وجمعت من النظائر، ورتبت فيه الكتب على ما رتّبت، للعلّة التي بيّنتها هناك، ولم أتعرّض للتفريع على المسائل ولا تعقيد الأبواب وترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظائرها، بل أرودت جميع ذلك أو أكثر بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك» [١].
إنّ كلمات الشيخ الطوسي هذه في «المبسوط» تشير بوضوح إلى أنّه ومن أجل الانتقال من المرحلة الثانية للفقه إلى المرحلة الثالثة، قد قام بعمل كبير وأوجد تحوّلًا عظيماً في مسار الفقه.
خصائص هذه المرحلة:
١. كتابة وتدوين المسائل الفقهية بأسلوب جديد، فقد ترك المرحوم الشيخ الطوسي، سنّة القدماء في تدوين الكتب الفقهية وشرع بكتابة الفقه بالاستفادة من القواعد والأصول الكلية في تفرّع الفروع، وعدم التقيد بمتن الرواية (لا بمحتواها) وبذلك فتح فصلًا جديداً في تدوين الكتب الفقهية للإمامية.
٢. يتّسم هذا العصر بالاهتمام بمسألة الفقه المقارن بشكل واسع. وبالرغم من تأليف بعض الكتب في الفقه المقارن من قِبل الشيخ الطوسيّ، لكنّ الشيخ بتأليفه كتاب «الخلاف» دخل في هذا المجال من بابه الواسع واهتمّ بعرض المسائل مورد الاختلاف بين مذهب الإمامية ومذاهب أهل السنّة.
٣. ورود «الإجماع» إلى ميدان الأدلّة الفقهية. فحتّى زمان السيّد المرتضى لم يكن فقهاء الإمامية يستدلّون بالإجماع في المسائل الفقهية، واقتصر ذلك على أهل السنّة، ولكن منذ عصر السيّد المرتضى وخاصّة عصر الشيخ الطوسي، فإنّ الإجماع صار عند الإمامية أحد الأدلّة المقبولة في عملية الاستدلال الفقهي رغم أنّهم يعتبرون حجّيته من باب «اللطف» وما إلى ذلك.
٤. ورود «علم أصول الفقه» بشكل واسع إلى ميدان الفقه. وقد فتح الشيخ الطوسي آفاقاً جديدة بتأليف كتابه القيّم والمهمّ باسم «عدّة الاصول» في علم الأصول.
وقد كان هذا الكتاب ولمدّة سنوات مديدة يستفاد منه في التدريس في الحوزات العلمية للإمامية.
يقول المرحوم السيّد مهدي بحرالعلوم (م ١٢١٢) عن هذا الكتاب: «وهو أحسن كتاب صنّف فيالأصول» [٢].
ومن الثمرات المهمّة لهذا الكتاب، إثبات حجّية خبر الواحد، لأنّه قبل الشيخ الطوسيّ، كان الفقهاء يدّعون الاتفاق على عدم جواز العمل إلّابالخبر القطعيّ، ولكنّ الشيخ الطوسي هو أوّل من أثبت أنّ أخبار الآحاد، إذا كان رواتها ثقات، حجّةٌ، وادّعى أنّ عمل الأصحاب بالروايات كان مبتنياً على هذا الأساس.
٥. توفّر عناصر أخرى لازمة لعملية استنباط الأحكام، فقد قام الشيخ الطوسيّ، مضافاً لتدوين كتاب في علم الأصول، بتدوين كتب رجالية وموسوعات حديثية وبذلك قدّم خدمة كبيرة للفقهاء في مسيرة استنباط الأحكام [٣].
[١]. مقدّمة المبسوط.
[٢]. الفوائد الرجالية، ج ٣، ص ٢٣١.
[٣]. دوّنت الكتب الرجالية من قبيل الفهرست واختيار معرفة الرجال لغرض الارتباط برجال وعلماء ورواة الشيعة وذكرت أسماؤهم في الموسوعتين التهذيب والاستبصار للحديث.