موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٤ - التاسع تقليد الميّت
مطلقة وتشمل الأعلم وغير الأعلم [١]، وبعبارة أخرى: إنّ مجرّد كون الشخص عالماً ومجتهداً وصاحب نظر في علمه يسوّغ الرجوع إليه ولا ضرروة للرجوع إلى الأعلم.
وقد ذكر آية اللَّه السيّد محسن الحكيم من أدلّة القائلين بعدم لزوم الرجوع إلى الأعلم: إنّ أدلّة الكتاب والسنّة مطلقة، وحمل آية «النفر» وآية «السؤال» في صورة تساوي المسؤولين، هو حمل على الفرد النادر [٢].
٢. إنّ لزوم الرجوع إلى الأعلم خلاف السيرة، وعلى حدّ تعبير الآمدي: «إنّ الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإنّ الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم ... ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوامّ الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم إتّباع المفضول والاستفتاء منه مع وجود الأفضل .. وتأييد ذلك بقوله (عليه السلام):
«أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»» [٣].
ويقول السيّد محسن الحكيم أيضاً لدى استعراضه أدلّة هذه الطائفة: «ولاستقرار سيرة الشيعة في عصر المعصومين عليهم السلام على الأخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم مع العلم باختلاف مراتبهم في العلم و الفضيلة، ولأنّ في وجوب الرجوع إلى الأعلم عسراً، وهو منفيّ في الشريعة، ولأنّه لو وجب تقليد الأعلم لوجب الرجوع إلى الأئمّة لأنّهم أولى من الأعلم» [٤].
ولكن يمكن الإجابة عن جميع هذه الأدلّة ببيان واحد، وهو أنّ تقليد الأعلم يعتبر أمراً مسلّماً في موارد وجود اختلاف بين فقيهين في مسألة معيّنة، إمّا على نحو الإجمال أو على نحو التفصيل.
هنا يحكم العقل والعقلاء أنّه مع وجود الأعلم لا ينبغي التوجّه إلى غير الأعلم، كما أنّه لو كان لدينا طبيبان لعلاج مرض معيّن وكان الشخص على يقين من اختلافهما وكان أحدهما أعلم من الآخر وأكثر تجربة، فإنّ العقل والعقلاء لا يُسوِّغون تركه والعمل بقول الطبيب الآخر الذي هو أقلّ منه علماً وتجربة. ومع الالتفات ا لى أنّ أهمّ دليل على جواز التقليد في فروع الدين هو دليل العقل وسيرة العقلاء في العمل في مثل هذه الموارد، فلذلك فإنّ تقليد الأعلم واجب.
إنّ إطلاق الآيات والروايات منصرف قطعاً عن شمول هذه الموارد التي يحرز فيها وجود اختلاف بين فتوى الأعلم وغير الأعلم.
التاسع: تقليد الميّت
هل يجوز تقليد المجتهد الميّت أم لا؟ وقع كلام بين العلماء في هذه المسألة، ويظهر من كلام «الفخر الرازي» عدم جواز تقليد الميّت. حيث ذكر بحثاً في هذه المسألة، وهي: هل يستطيع غير المجتهد أنّ يفتي بما نقله عن الآخرين؟ ويجيب عن ذلك بالقول:
«اختلفوا في أنّ غير المجتهد هل تجوز له الفتوى بما يحكيه عن الغير، فنقول: لا يخلو إمّا أن يحكي عن ميّت أو عن حيّ فاحكي لأنّه عن ميّت لم يجز الأخذ بقوله لأنّه لا قول للميّت بدليل أنّ الإجماع لا ينعقد مع خلافه حيّاً وينعقد مع موته، وهذا يدلّ على أنّه لم يبق له قول بعد موته» [٥].
[١]. الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ١، ص ٩٨.
[٢]. مستمسك العروة، ج ١، ص ٢٦.
[٣]. الإحكام في أصول الأحكام، ج ٤، ص ٤٥٨.
[٤]. مستمسك العروة، ج ١، ص ٢٦.
[٥]. المحصول، ج ٢، ص ٤٥٦.