موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٥ - التاسع تقليد الميّت
وفي «إرشاد الفحول» بعد نقله لما ذكر أعلاه يقول:
«وفي كلامه هذا (الفخر الرازي في المحصول) التصريح بالمنع من تقليد الأموات، وقد حكى الغزالي في كتاب «المنخول» إجماع أهل الأصول على المنع من تقليد الأموات» [١].
ويقول «النووي» في «المجموع» بعد أن يقرّر وجود وجهين لجواز تقليد الميّت، يقول: «الصحيح جوازه، لأنّ المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ولهذا يعتدّ بها بعدهم في الإجماع والخلاف».
ثمّ يستدل لهذه المسألة بالقول: «لأنّ موت الشاهد قبل الحكم لا يمنع الحكم بشهادته، بخلاف فسقه».
ثمّ إنّه ينقل دليل القائلين بعدم جواز تقليد الميّت ويقول: «إنّ الميت كالفاسق الذي سقط من الأهلية»؛ ثمّ يضيف: «هذا ضعيف لاسيّما في هذه الأعصار» [٢].
يقول الدكتور «وهبة الزحيلي»: «زاد بعضهم ... أنّه لابدّ من صحّة التقليد أن يكون صاحب المذهب حيّاً وقت التقليد، لكن هذا مردود عند العلماء، لأنّ الشيخين النووي والرافعي اتّفقا على جواز تقليد الميت» [٣].
والجدير بالذكر أنّ الأكثرية الساحقة من علماء أهل السنّة يتّبعون أحد فقهاء المذاهب الأربعة، وهذا بنفسه دليل على قولهم بجواز تقليد الميّت، وإذا ظهر مَن يخالف هذا القول فهو شاذّ ونادر.
وأمّا من فقهاء الإماميّة، فيقول «صاحب الجواهر»:
«مع أنّ عدم جواز (تقليد) الميّت ابتداءً مفروغ منه بين أصحابنا و قد حكى الإجماع عليه غير واحد، إنّما الكلام في جواز بقائه على ما قلّده فيه زمن حياته وعدمه، فبين قائل بوجوبه، ومن قال بحرمته، والتحقيق التخيير» [٤].
ويقول صاحب كتاب «كفاية الاصول»: «اختلفوا في اشتراط الحياة في المفتي، والمعروف بين الأصحاب الاشتراط، وبين العامّة عدمه، وهو خيرة الأخباريين وبعض المجتهدين من أصحابنا، وربّما نقل تفاصيل منها: التفصيل بين البدويّ فيشترط، والاستمراريّ فلا يشترط، والمختار ما هو المعروف بين الأصحاب، للشكّ في جواز تقليد الميّت، والأصل عدم جوازه، ولا مخرج عن هذا الأصل إلّاما استدلّ به المجوّز على الجواز (أي تقليد الميّت) وفيه وجوه (ثلاثة):
الأوّل: دعوى السيرة (أي سيرة العقلاء) على البقاء فإنّ المعلوم من أصحاب الأئمّة عليهم السلام عدم رجوعهم عمّا أخذوه تقليداً بعد موت المفتي ... «... ولا يختلف الحال بين الحيّ والميّت، ومع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ العمدة في أدلّة جواز التقليد هو سيرة العقلاء، فعلى هذا فإنّ تقليد الميّت يجوز كتقليد الحيّ.
الدليل الثاني: الاستصحاب وهو بقاء الرأي أو بقاء الحكم؛ أو بتعبير آخر: بقاء حجيّة قول المجتهد قبل موته.
وقد أجابوا عن هذا الدليل: يجب بقاء الموضوع في الاستصحاب وقد تبدّل هنا.
الدليل الثالث: الإطلاقات، إطلاق الآيات الدالّة على التقليد «فاسئلوا أهل الذكر» مثلًا يصدق على الميّت بلحاظ زمان الصدور.
ولكن وقف جماعة عند هذا الدليل وقالوا: ليست هذه الإطلاقات في مقام بيان هذه الجهة، وعليه فإنّ عمدة دليلهم على جواز تقليد الميّت: و الدليل الأوّل.
[١]. إرشاد الفحول، ج ٢، ص ٣٣٩.
[٢]. المجموع النووي، ج ١، ص ٨٧.
[٣]. الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ١، ص ١٣٣.
[٤]. جواهرالكلام، ج ٢١، ص ٤٠٢.