موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠ - ٤ شموله لدائرة الفرد والمجتمع
أوتقولون فيه؟ قال:
«بَل كُلُّ شَيءٍ في كتابِ اللَّه وسُنَّةِ نبيِّه» [١].
فقد تقدّم بيان سرّ هذه الشمولية في أبحاث متعدّدة من هذا الكتاب من قبيل «تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد» و «المسائل المستحدثة» و «عدم الفراغ القانوني» وهو عبارة أخرى عن «انفتاح باب الاجتهاد» و «تقسيم الأحكام إلى أحكام ثابتة ومتغيّرة وإلى أحكام أوّلية وثانوية» وأيضاً وجود اصول وإطلاقات وعمومات قابلة للتطبيق على الموضوعات المستحدثة، أي الموضوعات الحادثة على امتداد الزمان.
وربّما يقال: «إنّ حلّ هذه المسائل بالقواعد الثانوية من قبيل العسر والحرج والاضطرار، لا يدلّ على ثراء الفقه، لأنّه أوّلًا: إنّ مثل هذا الأمر وارد وميسور لجميع مقنِّني البشر. ثانياً: إذا استطعنا تطبيق موازين وأساليب الفقه القديم على خمسمائة مسألة جديدة على أساس قواعد العسر والحرج والاضطرار، واستطعنا استنباط أحكام أخرى، فإنّ ذلك لا يعني كمالًا للفقه» [٢].
ولكن من خلال الالتفات إلى هذه الحقيقة يتبيّن الجواب عن هذه الشبهة، وذلك أنّنا لا ندّعي إطلاقاً أنّ أكثر الأحكام الفقهية مبنيّة على أساس العسر والحرج وأمثالها من العناوين الثانوية الاضطرارية، بل إنّ الأحكام المبتنية على مثل هذه العناوين تتعلّق بموارد محدودة، وأكثر مباحث الفقه الإسلامي ومنها الكثير من المسائل المستحدثة يمكن إثباتها بالعناوين الأولية، وأمّا استفادة الحقوقيين من هذه العناوين فإنّها تواجه المشكلة التي سبق ذكرها، وهي أنّ الإنسان وبحكم عواطفه وإحساساته البشرية ربّما يقع في ورطة التحيّز للمصالح الشخصية والفئوية أو يتأثّر في إصداره للقوانين بالعواطف والميول في ما يعكسه من أشكال التسامح أو التشدد وأمثال ذلك.
٤. شموله لدائرة الفرد والمجتمع
إنّ القوانين الوضعية في العالم لا تتحدّث عادة عن العلاقات الفردية للأشخاص وعلاقة الإنسان مع نفسه ولا تتدخل في حريم الشؤون الشخصية والعوامل الروحية للأفراد، بل تختصّ بمجال العلاقات الاجتماعية للإنسان، وكأنّ الإنسان لا يحتاج إلى ضوابط ومقرّرات إلّافي حالة اتّصاله مع الآخرين، في حين أنّ الكثير من فعاليات الإنسان الاجتماعية تنبع من كيانه الفردي الذي يبنيه الإنسان لنفسه في عالم الوحدة والانفراد.
إنّ الإسلام والفقه الإسلامي وضعا القوانين في دائرة العلاقات الاجتماعية وما يتّصل بالمصلحة العامّة، نظير الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، القصاص، الحدود، والديات وبشكل عام فيما يخصّ العدالة الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى وضعا روابط وقوانين في دائرة الحياة الفردية للإنسان وفيما يتعلّق برابطة الإنسان مع نفسه ومع خالقه، من قبيل تحريم المشروبات الكحولية لحفظ عقل الإنسان، ومن أجل سلامة بدنه ونقاء روحه وتقوية إرادته فقد أوجب عليه الصيام، وكذلك حرمة الإضرار بالنفس من أجل دوام الصحة والسلامة للإنسان في حركة الحياة و ....
عندما ينطلق أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام من موقع بيان فلسفة بعض الأحكام الفقهية فإنّه يذكر عدداً من مسائل
[١]. الكافي، ج ١، ص ٦٢، ح ١٠.
[٢]. كيهان فرهنگى، (صحيفة كيهان الثقافيّة) السنة الأولى، العدد ٦، ص ١٥ (بالفارسيّة).