موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٠ - ١ تاريخ مقولة الإنسداد
ظهرت بعد عصر الصحابة، ولكن هناك اختلاف في تعيين الزمان الدقيق لهذه المقولة، فبعضهم يرى أنّ تاريخ الإنسداد يدور مدار الزمان، وبعض آخر يرى أنّه يرتبط بالأشخاص، ومن بين أفراد الطائفة الأولى هناكعدّة آراء:
أ) يرى البعض منهم أنّ زمان الانسداد بدأ منذ نهاية القرن الثاني
، قال بكر بن العلاء القشيرى المالكي: «ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة» [١].
ب) وذهب آخرون إلى أنّ شروع الإنسداد قد بدأ من منتصف القرن الرابع:
«نادوا بسدّ باب الاجتهاد في منتصف القرن الرابع» [٢].
ج) وترى جماعة أنّ بدايته من القرن السادس حيث اعلن عن انسداد باب الاجتهاد، وقد جاء في الموسوعة الفقهيّة الصادرة تحت إشراف وزارة أوقاف الكويت:
«ما أَهَلَّ القرن السادس الهجريّ حتى نادى بعض العلماء بإقفال باب الاجتهاد» [٣].
أمّا الطائفة التي جعلت ملاك تاريخ الإنسداد هو الأشخاص، فهم على أقوال:
أ) إنّ زمان انسداد باب الاجتهاد في كلّ واحد من المذاهب الأربعة يبدأ بعد العلّامة النسفي، [٤] ويبدأ الانسداد المطلق في الاجتهاد بعد الأئمّة الأربعة:
قال صاحب فواتح الرحموت: «ثمّ إنّ من النّاس من حكم بوجوب الخلوّ من بعد العلّامة النسفي واختتم الاجتهاد به، وعَنْوا الاجتهاد، في المذهب وأمّا الاجتهاد المطلق، فقالوا: اختتم بالأئمّة الأربعة» [٥].
ب) إنّ زمان الإنسداد حدث بعد أبيحنيفة وأبييوسف وزفر بن هذيل ومحمّد بن الحسن وحسن ابن زياد اللؤلؤي، وقد نقل ابن حزم وابن القيّم الجوزية هذا القول عن طائفة من العلماء:
«ليس لأحدٍ أن يختار بعد أبيحنيفة [٦] وأبي يوسف [٧]
وزفر بن الهذيل [٨] ومحمّد بن الحسن والحسن بن زياد
اللؤلؤي، [٩] وهذا قول كثير من الحنفية».
ج) إنّ زمان الإنسداد قد بدأ بعد الأوزاعي، وسفيان الثوريّ، ووكيع بن الجرّاح وعبداللَّه بن المبارك:
«قال الآخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي [١٠]
[١]. اعلام الموقعين، ج ٢، ص ٢٧٦.
[٢]. ارشاد النقاد، ص ٢٧.
[٣]. الموسوعة الفقهيّة، ج ١، ص ٤٢.
[٤]. وهو أبو حفص، عمر بن محمّد بن أحمد بن إسماعيل النسفي، المولود ب «نَسَف» (مدينة قرب سمرقند) وكان عالماً بالتفسير، التاريخ، الأدب العربي فقيه حنفيّ. له ما يقارب من مائة تصنيف وتأليف ويقال له مفتى الثقلين. وتوفي في سمرقند عام ٥٣٧ ه، (سير أعلامالنبلاء، ج ١٤، ص ٥٨٠).
[٥]. إرشاد النقاد، ص ٢٦.
[٦]. كان النعمان بن ثابت [/ أبوحنيفة] من أهالي فارس [/ ايران]. وهوإمام المذهب الحنفي. وقالوا عنه: إنّه عالم كبير، ومجتهد وإمام أعظم. وهو أول من كتب في الفقه والرأي. (أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين، ص ٢١١).
[٧]. يعتبر أبويوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، من تلاميذ أبيحنيفة ومن أتباعه. قيل إنّه أول من لقّب ب «قاضي القضاة». (الكنى والألقاب، ج ١، ص ١٨٨).
[٨]. كان زفر بن هذيل بن قيس العنبري، فقيهاً كبيراً ومن أصحابأبيحنيفه؛ وأول أصحاب الحديث ثم اتصل بجماعة أهل الرأي. وكان يقول: مادام النصّ موجوداً فلا آخذ بالرأي، وإذا عثرت على نصّ فإنّي أترك رأيي». (الأعلام للزركلي، ج ٣، ص ٤٥).
[٩]. الحسن بن زياد اللؤلؤي، يقول ابن الغزّي في ديوان الإسلام: اللؤلؤي فقيه وعالم كبير ومن أصحاب أبيحنيفة. وقد ألّف كتباً حول مذهبه. وعدّه الذهبي أيضاً من الشخصيات الكبيرة من أصحاب الرأي. (أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين، ص ٢١٨).
[١٠]. أبومحمد عبدالرحمن بن عمرو، المعروف بالأوزاعي؛ قال ابن حبّان في «الثقات» فيه: لقد كان الأوزاعي من فقهاء الشام ومن القراء والزهاد في تلك البلاد، وقال ابن مبارك: إذا قيل لي إنتخب لهذه الامّة رجلًا «لإرشادها وهدايتها» فأنا أختار الثوري والأوزاعي، وأختار بين هذين الرجلين الأوزاعي، و قال الشافعي: لا أجد غير الأوزاعي ممّن يشبه فقهه حديثه (لأنّ فقهه امتزج مع الحديث بشدّة) (الثقات، ج ٧، ص ٦٣؛ تهذيب التّهذيب، ج ٦، ص ٢١٧).