موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٠ - ١ حقيقية القضايا للأحكام الشرعية
النتيجة، أنّ أحكام الشرع في الغالب على شكل قضايا حقيقية، فإذا كانت من جملة القضايا الخارجية فإنّها تختصّ بالمصاديق التي كانت موجودة في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله أو الأئمّة الأطهار عليهم السلام ولا تشمل المصاديق التي وجدت بعد ذلك.
ومع الالتفات إلى هذا المعنى يكون بإمكاننا حلّ الكثير من المسائل المستحدثة.
ونشير هنا إلى موارد من هذه المسائل الجديدة- والتي سبقت الإشارة إليها في البحوث السابقة- ممّا يدخل ضمن هذه القاعدة المذكورة:
ألف) الآية الشريفة «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» [١] تجري في جميع العقود، سواء كانت متداولة في عصر الأئمّة عليهم السلام أم وجدت في عصرنا الحاضر من قبيل عقود شركات التأمين على الحياة، لأنّ هذه القضية من قبيل القضايا الحقيقية وتشمل جميع العقود، حتى العقود التي سوف تتحقّق في المستقبل أيضاً، ولا شكّ أنّ التأمين بدوره عقد من العقود ويدخل في عموم «أوفوا ...» ولا دليل على تخصيص هذا العام وحصره بالعقود التي كانت موجودة في زمان النصّ وعصر المعصومين عليهم السلام.
ب) إنّ كلّ أشكال الشركات الجديدة التي لم تكن في السابق، وبذلك تكون مشمولة لهذه القاعدة إذا توفّرت فيها الشروط الكلّية للعقود.
ج) إذا قلنا إنّ السرقفليّة بمثابة عقد جديد لا أنّها شرط ضمن عقد الإجارة، فإنّها ستندرج أيضاً في هذه القاعدة.
وبالطبع فمن الواضح أنّ جميع العقود الجديدة يجب أن تتوفرّ فيها الشروط العامّة المعتبرة لدى الشارع في العقود من قبيل أن يكون الثمن والمثمن معلومين (على فرض جريان حكم الغرر في جميع العقود) وعدم تعليقه على الإنشاء، وتوفّر شرط البلوغ والعقل والرشد والاختيار وغيرها من الشروط المعتبرة والتي لا يقع العقد صحيحاً بدونها.
د) وعلى أساس القاعدة المذكورة تصحّ المضاربة بالعملات الورقية في العصر الحاضر، وأيضاً الصكوك الاعتبارية وأمثالها، بل إنّ تلك العمومات والإطلاقات تسمح لنا باستثمار الأموال في غير دائرة التجارة كالزراعة والصناعة وغيرها وإن لم يصدق عليها اسم المضاربة ولا تجري عليها أحكام المضاربة (إذا كنّا نعتقد بوجود أحكام خاصّة للمضاربة) لأنّه عندما يستثمر الإنسان ماله عند شخص آخر ويقول له: إنّني أدفع لك هذا المال وتقوم أنت باستثماره في الصناعة مثلًا على أن يكون الربح بالتنصيف» فإنّ هذا العقد يندرج تحت قاعدة «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» وبمقتضى إطلاق هذه الآية الشريفة وسائر الإطلاقات والعمومات الأخرى، يجب العمل وفق هذا العقد.
ومع الالتفات إلى هذا المعنى فانّه يجوز بيع وشراء أسهم الشركات والمؤسسات الصناعية وغير الصناعية وتقسيم الأرباح بين أصحاب الأسهم، لأنّ هذا الأمر يعدّ عقداً لدى العرف والعقلاء، حيث تتوفّر فيه الشروط الشرعية للعقود المعتبرة، ولهذا فسيندرج هذا العقد ضمن العمومات في هذه الدائرة وإن لم يدخل في أيّ من العقود والمعاملات المعروفة والمشهورة.
ه) وتدخل أيضاً في هذه العمومات «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، المعاملات غير الحضورية التي تتمّ بواسطة الهاتف والانترنيت وأمثال ذلك، فلا مانع من القول
[١]. سورة المائدة، الآية ١.