موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨ - الإخلال بالفقه يلازم الإخلال بالركنين الآخرين للدّين
وتشتدّ باقترانها بالعمل الصالح [١].
وقد ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أو الإمام الباقر عليه السلام:
«مَن قال: لا إله إلّااللَّه فَلَن يَلِجَ مَلكوتَ السَّماء حتّى يُتِمَّ قولَه بعَملٍ صالِح» [٢].
ومن الممكن أن تكون هذه الرواية وتلك الآية إشعاراً بهذه الحقيقة، وهي أنّ الأدوات والعناصر الباطنية للإيمان والمعرفة والشعور الفطري في الإنسان ربّما تصطدم بموانع ويتراكم عليها غبار النوازع الدنيوية وبالتالي تضعف قوّتها أو تدفن تماماً تحت أنقاض هذه النوازع والأهواء: «وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا» وتتجمّد عن العمل، ولذلك فإنّها تحتاج إلى عنصري العمل والأخلاق لتأمين عنصر «العمل الصالح» الذي يظهر بقالب «التقوى» كما يستفاد ذلك من هاتين الآيتين: «إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَّكُمْ فُرْقَاناً» [٣] و «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ» [٤] فالتقوى سبب لزيادة قدرة الإنسان على تشخيص الحقّ من الباطل وزيادة العلم المفيد.
وببيان آخر: بالرغم من ١. أنّ النظام الاعتقادي يمثّل المحور الأصلي في منظومة الدين المتشكّلة من ثلاثة أنظمة: عقائدية، أخلاقية، تشريعية. ٢. أنّ النظام الاعتقادي نفسه يملك في باطنه محوراً أساسياً وهو الإيمان بالغيب. ٣. والإيمان بالغيب هو في الحقيقة إيمان بالحقائق الماورائية الخفية بسبب لطافتها، ولذلك فهي بعيدة عن دائرة الإحساس والإدراك المعروف لدى البشر، ولا يمكن التوصّل إليها والاتّصال بها إلّابأدوات خاصّة مغروسة في وجدان الإنسان، أي أنّ الإنسان يكشفها بأدوات الشعور الباطني والفطري (ولعلّه لهذا السبب فإنّ المطلوب من الإنسان هو الإيمان بتلك الحقائق لا مجرّد العلم والمعرفة بها، ولذلك ورد التعبير ب
«الَّذِيْنَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»
لا
«الذين يعلمون الغَيب»)
ولا شكّ في أنّ هذه الأدوات والعناصر الباطنية تصطدم أحياناً ببعض الموانع، وينبغي على الإنسان، لتفعيل هذه العناصر وإزالة تلك الموانع، الاستفادة من النظامين الآخرين (الأخلاقى والتشريعي) والفقه يوفّر للإنسان النظام التشريعي في حركة الحياة.
ج) ورد في القرآن الكريم في أكثر من خمسين مورداً اقتران الإيمان بالعمل الصالح (الذي لا يمكن تحقيقه بدون تعلّم «الفقه») وأنّ ذلك هو معيار الصلاح والفلاح والأجر والثواب الأُخروي، من قبيل الآية الشريفة التي تقرّر وعدَ اللَّه تعالى بالثواب العظيم للأشخاص الذين يملكون الإيمان والعمل الصالح معاً:
«وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» [٥] وكذلك ما ورد في الآية التي تقرّر أنّ محبوبية الأشخاص لدى الناس يرتبط بالإيمان والعمل الصالح: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً» [٦].
وقد ورد في بعض الآيات اقتران التقوى مع الإيمان، وأنّ المؤمن المتّقي له أجر عظيم: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» [٧] وبديهيّ أنّ التقوى لا تتحقّق في واقع الإنسان بدون أداء الواجبات وترك المحرّمات التي يتكفّل بيانها «الفقه».
[١]. كما صرّح به العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان، ج ١٧، ص ٢٣.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٦٦، ص ٤٠٢، ح ١٠٢.
[٣]. سورة الأنفال، الآية ٢٩.
[٤]. سورة البقرة، الآية ٢٨٢.
[٥]. سورة المائدة، الآية ٩.
[٦]. سورة مريم، الآية ٩٦.
[٧]. سورة آل عمران، الآية ١٧٩.