موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٠ - ٥ الإجماع
بنِ آدَم، فسألتُه عَمّا احتَجْتُ إليه» [١].
٣. وفي حديث آخر سأل الراوي الإمام الرضا عليه السلام:
«لا أكادُ أصِلُ إلَيكَ أسأَلكَ عن كُلِّ ما أحتَاجُ إليه مِن مَعالِم دِيني، أَفَيُونُسُ بنُ عَبدِالرَّحمنِ ثِقَةٌ آخُذُ عَنهُ مَا أحتَاجُ إليه من مَعالِم ديني؟
قال الإمام:
«نَعَم» [٢].
وفي هاتين الروايتين نرى أنّ معالم الدّين تستوعب في دائرتها الفتوى والرواية كلتيهما، وكذلك يستفاد من الرواية الأخيرة أنّ الراوي كان يعلم بوضوح أنّه بإمكانه أخذ معالم دينه من العلماء، ولكنّه سأل الإمام الرضا عليه السلام عن مصداق هذا الحكم العامّ.
الطائفة الثالثة: النهى عن الفتوى بغير علم
وفي هذه الطائفة ورد تحذير المسلمين من الفتوى بغير علم، والتأكيد على أنّ الذنب الذي يرتكبه العامل بهذه الفتوى يقع في ذمّة المفتي، ومن الواضح أنّ هذه الرواية أخذت العمل بالفتوى كأمر مسلّم.
١. قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لأبيذر:
«يَا أباذَرّ إذا سُئِلْتَ عَنْ عِلْمٍ لَاتَعْلَمُه فَقُلْ: لَاأعْلَمُه، تَنْجُ مِن تَبِعَتِهِ وَلا تُفْتِ بِما لَا عِلْمَ لَك بِه تَنْجُ مِن عَذابِ اللَّه يَومَ القِيامَةِ» [٣].
٢. وقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«مَن أفْتى النَّاسَ بِغَيرِ عِلْمٍ كانَ إثْمُهُ على مَن أفْتَاهُ» [٤].
٣. وقال الإمام الباقر عليه السلام:
«مَن أفْتى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدَىً مِنَ اللَّهِ لَعَنَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ وَلَحِقَهُ وِزْرُ مَن عَمِلَ بِفُتْياه» [٥].
٥. الإجماع
وقد تحرّك علماء أهل السنّة من موقع الاهتمام البالغ بهذا الدليل، ومنهم «الغزالي» الذي استدلّ بإجماع الصحابة على لزوم التقليد والاستفتاء من علماء الدين وقال: «إنّهم (الصحابة) كانوا يفتون العوامّ ولا يأمرون بنيل درجة الاجتهاد» [٦].
وقال «الفخر الرازي» بعد نقله مخالفة معتزلة بغداد للتقليد واستدلاله على جواز التقليد بإجماع الامّة:
«إجماع الامّة قبل حدوث المخالف، لأنّ العلماء في كلّ عصر لا ينكرون على العامّة الاقتصار على مجرّد أقاويلهم ولايلزمونهم أن يسألوهم عن وجه اجتهادهم» [٧].
وقد تمسّك بعض الفقهاء والاصوليين الإماميّة أيضاً بدليل الإجماع لإثبات التقليد، منهم الميرزا القمّي الذي قال: «المشهور بين العلماء ولدينا إجماع من يحرز مرتبة الاجتهاد يجوز له التقليد في المسائل الفرعية».
ثمّ أنّه نقل عن الشهيد الأوّل قوله في كتاب «الذكرى»:
أن أكثر الإماميّة يقولون بذلك سوى بعض القدماء وعلماء حلب، حيث وقع بينهم الاختلاف في هذه المسألة.
ويضيف الميرزا القمّي: «إنّ التقليد جائز مطلقاً، سواء كان المقلّداً عامّياً محضاً أو كان عالماً ببعض العلوم (أن لا يكون الولي الفقيه) لأنّ هذه المسألة إجمالية، والسيّد المرتضى وبعض علماء الشيعة وأهل السنّة صرّحوا بهذا الإجماع وكذلك بمطالعة السيرة العملية للعلماء الماضين الذين كانت الفتوى والاستفتاء منهم شائعاً، ويتبيّن من ذلك أنّ هذه المسألة مقبولة لديهم». [٨]
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ١٠٦، ح ٢٧.
[٢]. المصدر السابق، ص ١٠٧، ح ٣٣.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ٧٦.
[٤]. مستدرك الحاكم، ج ١، ص ١٢٦.
[٥]. وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٩، ح ١.
[٦]. المستصفى، ج ٢، ص ٣٨٩.
[٧]. المحصول في علم الأصول، ج ٢، ص ٤٥٨.
[٨]. انظر: قوانين الاصول، ص ٣٢٤.