موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٢ - الفصل الثالث إمتيازات الحكومة الدينية
أو عرقية أو تتّخذ لها على الأقلّ إطاراً حزبياً وفئوياً، وعلى الرغم من ادّعاءات أنصار حقوق الإنسان الواهية، فإنّها تتحرّك في إطار حفظ منافع طائفة خاصّة وشريحة معينة في ذلك المجتمع، في حين أنّ الحكومة الإسلامية تستوعب في رؤيتها جميع الأقوام والشرائح والطوائف المختلفة في المجتمع من موقع التساوي في الحقوق والامتيازات، وقد كان النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله يلفت نظر أُمّته دائماً إلى هذه الحقيقة، وهي أنّه لا فضل لقوم على قوم أو قبيلة على أخرى في واقع الكمال البشريّ وأنّ كلّ أفراد البشر سواسية أمام اللَّه تعالى ولا امتياز في الإسلام للعرب على العجم ولا لأبيض على أسود.
وقد وردت في هذا المجال أحاديث كثيرة مذكورة في الجوامع الحديثية للفريقين بحيث لا يوجد اختلاف في هذه النصوص إلّاما ندر، ومن هذه الأحاديث:
قال النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله:
«يا أيُّها النَّاسُ ألَا إنَّ رَبَّكُم واحِدٌ، وإنَّ أبَاكُمْ واحِدٌ، ألا لَافَضْلَ لِعَرَبِيِّ على عَجَميّ، ولَا لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبِيٍّ، ولَا لأحْمَرٍ عَلى أسْوَدٍ، ولا لأسْوَدٍ على أحْمَرٍ إلّابِالتَّقْوى» [١].
وطبقاً لرواية أخرى أنّه قال:
«أيُّها النَّاسُ ألا إنَّ رَبَّكُم واحِدٌ ألا إنَّ أبَاكُمْ واحِدٌ ألا لا فَضْلَ لِعَرَبيٍّ على عَجَمِيٍّ ولا لِعَجَمِيٍّ على عَرَبِيٍّ ولَا لأسْوَدٍ على أحْمَرٍ وَلا لأحْمَرٍ على أسْوَدٍ إلّابالتَّقْوى إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟
قالوا: بَلى يا رَسولَ اللَّهِ. قال: فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ» [٢].
وقد نقل هذا الحديث بشكل آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«إنَّ اللَّهَ عزَّ وجَلَّ يقول:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»
، فَلَيْسَ لِعَرَبيٍّ على عَجَمِيٍّ فَضْلٌ وَلا لِعَجَمِيٍّ على عَرَبِيٍّ فَضْلٌ، وَلا لأسْوَدٍ على أبْيَضِ فَضْلٌ وَلا لأبْيَضٍ على أسْوَدٍ فَضْلٌ إلّابالتَّقْوى» [٣].
ومن هذا القبيل ما نراه في الخطابات القرآنية كما في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاس» [٤] و «يَا بَنِى آدَم» [٥] و «يَا ايُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» [٦] حيث تعدّ هذه الخطابات شاهداً آخر على هذا المطلب.
٢. إنّ الحكومة الدينية تتحرّك حول محور الدوافع المعنوية والأخلاقية، ليس بالنسبة لعامّة الناس، بل إنّ الحكّام والمسؤولين أيضاً يتمّ اختيارهم على أساس المواصفات التي يملكونها في ما يتعلّق بالإيمان والإخلاص والمعنوية، ولهذا السبب فإنّ إجراء الأحكام الشرعية يملك ضمانات إجرائية تمتدّ إلى باطن الأفراد بحيث يتحرّك الناس بشكل ذاتيّ في هذا الخطّ ولا حاجة حينئذٍ لوجود أجهزة التحقيق والإشراف والمخابرات وما إلى ذلك، والتي تسلك غالباً طرق غير مرضيّة بسبب عوامل الرشوة والتوصيات من قِبل المتنفذين في الحكم، وتشكّل هذه المسألة أزمة كبيرة في الحكومات غير الدينية.
٣. إنّ جميع الأفراد في الحكومة الدينية يتحمّلون المسؤولية، مثلًا إذا تعرّضت البلاد لهجوم الأعداء، فإنّ جميع الأفراد الذين يملكون القدرة على القتال ومواجهة العدوّ سيكونون من جنود هذه الحكومة، وقد
[١]. انظر: نيل الأوطار، ج ٥، ص ١٦٤؛ مسند أحمد، ج ٥، ص ٤١١.
[٢]. تفسير الميزان، ج ١٨، ص ٣٣٤.
[٣]. المعجم الكبير للطبراني، ج ١٨، ص ١٣.
[٤]. وردت هذه العبارة في ٢٠ مورداً، منها: سورة البقرة، الآية ٢١؛ سورةالنساء، الآية ١.
[٥]. وردت هذه العبارة في ٥ موارد، منها: سورة الأعراف، الآية ٢٦؛ سورة يس، الآية ٦٠.
[٦]. وردت هذه العبارة في ٨٩ مورداً، منها: سورة البقرة، الآية ١٠٤؛ سورةالمائدة، الآية ١١.