موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٣ - الفصل الثالث إمتيازات الحكومة الدينية
رأينا نماذج كثيرة من هذا القبيل في عصر النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله على امتداد تاريخ الحكومات الإسلامية وحتّى عصرنا الحاضر.
٤. إنّ الحكومات المادّية وغير الدينية تعيش مشكلة كبيرة في مسألة التمايز الطبقيّ بين أفراد المجتمع، ولكن في الحكومة الدينية التي توصي الناس بالقناعة والحياة البسيطة وتحرّك فيهم دوافع الخير لمساعدة الطبقة الفقيرة والضعيفة في هذا المجتمع، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى تقليص هذه الفجوة، وبالتالي ستزول الحياة المترفة الزاخرة بأشكال الترف والبذخ التي هي الأساس لوجود وتشديد الفاصلة الطبقية بين شرائح المجتمع.
٥. إنّ الناس في الحكومة الدينية يرون أنّ العمل بالقوانين الحكومية جزء من الفرائض والواجبات الإلهية، وبهذه الصورة ينظرون إليها على أساس الوظيفة الدينية والتكليف الشرعي، وهذه الرؤية تمنح هؤلاء الأفراد قوّة وباعثاً قويّاً لإجراء هذه القوانين وتحقيقها على أرض الواقع الاجتماعي إلى حدّ أنّ الكثير من الأفراد مستعدّون للتضحية بنفوسهم وقبول الاستشهاد في هذا السبيل، ويعدّون ذلك افتخاراً كبيراً لهم، في حين أنّ الحكومات العلمانية تفتقد هذا العنصر من عناصر القوة والقدرة.
٦. في الحكومة الدينية يجب أن يكون الحاكم يتمتّع بالعدالة والصلاحية اللازمة، فالإسلام يولي أهمية كبيرة لصلاح الحكّام والمسؤولين، إلى درجة أنّه يرى دورهم في الحياة السياسية والاجتماعية أهمّ وأعلى من دور صلاح الناس، لأنّ الحاكم إذا كان صالحاً فإنّه بإمكانه إصلاح الامّة من خلال البرامج الصحيحة وإيصالها إلى مرفأ الأمان والصلاح.
وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام قال:
«قال اللَّه تَبَارَكَ وتَعالى: لأُعَذِّبَنَّ كُلَّ رعِيَّةٍ في الإسْلامِ دانَتْ بِولايَةِ كُلِّ إمامِ جائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَتِ الرَّعِيَّةُ في أعْمالِها برَّةً تَقِيّةً، وَلَأعْفُوَنَّ عَنْ كُلِّ رَعِيَّةٍ فِي الإسْلامِ دانَتْ بِوِلَايَةِ كُلِّ إمامٍ عادِلٍ مِنَ اللَّهِ وإنْ كانَتِ الرَّعِيَّةُ فِي أَنْفُسِها ظَالِمَةً مُسِيئةً» [١].
وهناك آثار إيجابية أخرى في الحكومة الدينية تجعلها تمتاز على الحكومات غير الدينية.
وبديهي أنّه لا يمكن إنكار هذه الحقيقة وهي وجود حكومات تشكّلت باسم الدين على امتداد التاريخ وكانت لها إفرازات مخرّبة وآثار سلبية في الذاكرة البشرية مثل (حكومة بنيأميّة وبني العبّاس وبعض الحكومات المعاصرة التي انقرضت لحسن الحظّ). وربّما يتّخذ المخالفون للحكومة الدينية هذه المظاهر السلبية كذريعة لإنكار ورفض هذا النوع من الحكومة.
ولكنّنا جميعاً نعلم أنّ حكّام وملوك هذه الحكومات لم يكونوا من علماء الدين ولا من الفقهاء وأهل الخبرة في المسائل الدينية، بل هم من السياسيين المحترفين الذين يستغلّون الإحساسات والمشاعر الدينية الصافية لدى الناس، ويظهرون أنفسهم وحكومتهم الزاخرة بالبذخ والظلم والتزوير باسم الخلافة الإسلامية، واللافت أنّ هؤلاء الحكّام أنفسهم يتحدّثون أحياناً بما يوحي أنّهم لا علاقة لهم بقضايا الدين، بل هدفهم التسلّط على الناس والرغبة في السلطة فقط.
[١]. الكافي، ج ١، ص ٣٧٦.