موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٣ - ب) العوامل الشرعية للحكم بالانسداد
والمغرضين في دائرة الاجتهاد كان سبباً لانسداد باب الاجتهاد. فهذان العاملان، اللذان سيأتي الحديث عنهما في البحوث الآتية، يمثّلان نتيجة مباشرة للاعتماد على القياس والاستحسان والمصالح المرسلة ورأي الصحابة التي لا تعرف الحدّ في دائرة الرأي والتقنين ولا تتوفّر فيها ضابطة دقيقة ومعيار واضح للفتوى، ومن هنا فإنّها تدفع الفقيه باتّجاهات مختلفة، أليس من الجدير تجديد النظر في هذه الأدلّة الظنّية لمنع وقوع الهرج والمرج والفوضى الفقهية؟
وهناك عاملان آخران، أي خوف الحكّام من الفتاوى الجديدة، وذوبان شخصية الفقهاء في المسائل السياسية، يمكن اجتنابهما، لأنّه إذا حفظ العلماء استقلالهم العلميّ والاجتماعيّ وتخلّصوا من الارتباط والتبعية للحكومات، فإنّهم سوف لا يقعون في شباك هذه المشاكل بحيث تمنعهم من الاجتهاد. ولكن للأسف فإنّ هذه الاشتباهات أدّت إلى ركود حركة الفقه الإسلامي لدى بعض الفرق الإسلامية، فلو لم يوصد باب الاجتهاد بسبب هذه الأمور، فإنّ الفقه الإسلامي وفي جميع المذاهب سيتحرّك في خطّ التقدّم والتكامل قطعاً.
ب) العوامل الشرعية للحكم بالانسداد
الأوّل: الخوف من تغيير الكثير من الأحكام الشرعية، حيث يعتقد البعض أنّه لولا الفتوى بالانسداد، فإنّ الكثير من الأحكام الشرعية ستطالها يد التغيير، ويقول صاحب كتاب «أعيان الشيعة»:
«لو بقي باب الاجتهاد مفتوحاً عندهم على مصراعيه، مع القول بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، لتغيّر الكثير أو الأكثر من أحكام الشرع» [١].
الثاني: الخوف من مخالفة إجماع الأئمّة الأربعة. فقد ذكر صاحب كتاب «الاصول العامة للفقه المقارن» في هذا المجال ما يلي:
يقول صاحب كتاب «الأشباه»: «الخامس ممّا لا ينفذ القضاة به، ما إذا قضى بشيء مخالف للإجماع وهو ظاهر، وما خالف الأئمّة الأربعة مخالف للإجماع، وإن كان منه خلاف لغيره فقد صرّح في التحرير أنّ الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة، لانضباط مذاهبهم وكثرة أتباعهم».
ثمّ أضاف:
«وقد رأينا في المتأخّرين من يوافقه على هذا الحكم كالشيخ محمّد عبدالفتاح الغنائى، رئيس لجنة الفتيا في الأزهر الشريف وزملائه في اللجنة».
ثمّ أضاف قائلًا:
«والأدلّة التي ذكرها صاحب كتاب «الأشباه» هي:
١. الإجماع ٢. إنضباط المذاهب الأربعة وكثرة أتباعهم» [٢].
ثمّ كتب هذا المؤلّف بعد بيان الإشكالات على استدلال صاحب كتاب «الاشباه»:
«وقد نسب ابن الصلاح هذا الإجماع إلى المحقّقين لا إلى المجتهدين، وهذا طبيعيّ، لأنّ هذا الإجماع بعد انسداد باب الاجتهاد.
وقد ناقش الشيخ المراغي (وهو من دعاة حرية الفكر) هذا الإجماع من صغرى وكبرى.
أمّا مناقشته من جهة صغروية فقد شكّك في إمكان تحصيل هذا الإجماع، لأنّ العلماء يرون استحالة الإجماع ونقله بعد القرن الثالث نظراً لتفرّق العلماء في
[١]. أعيان الشيعة، ج ١، ص ١١٠.
[٢]. الأصول العامة للفقه المقارن، ص ٦٠١.