موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٧ - القرآن كلام اللَّه
يتضمّن في آياته أصول العقائد، التاريخ، الأخلاق والأحكام. والقسم المتعلّق بالأحكام يقال عنه في الاصطلاح «آيات الأحكام» أو «أحكام القرآن». وقيل:
إنّ عدد آيات الأحكام في القرآن، ٥٠٠ آية [١]. ولكنّ البعض ذهب إلى أنّ معظم آيات القرآن يمكن استفادة الأحكام منها بنحو من الأنحاء، بشكل صريح أو من خلال الاستنباط من آية شريفة بدون ضميمة آيات أخرى، أو بانضمام آيتين أو عدّة آيات أخرى [٢] أو بانضمام آية إلى رواية مفسِّرة ومبيِّنة لها، ولكنّ هذا الكلام لا يخلو من مبالغة.
وقد ذكر صاحب كتاب «كشف الظنّون» أنّ أول كتاب تمّ تأليفه في أحكام القرآن، هو كتاب الشافعي (م ٢٠٤) [٣] في حين أنّ ابن النديم ذكر في «الفهرست» في ضمن كتب آيات الأحكام، كتاب أحكام القرآن للكلبي [٤] واسمه الكامل أبونصر، محمّد بن السائب بن بشر الكلبي، وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ومن علماء الإمامية. وقد ذكر الشيخ آقا بزرگ الطهراني في كتابه «الذريعة» بالاستناد إلى ما كتبه ابن النديم أنّ أول كتاب في أحكام القرآن هو كتاب محمّد بن السائب الكلبي، وقد توفّي الكلبي عام ١٤٦ ه في حين أنّ الشافعي ولد في عام ١٥٥ ه [٥].
إنّ الكتب التي تبحث في آيات الأحكام كثيرة، ولعلّ الكثير منها انقرض على امتداد التاريخ ولم يصل إلينا، وممّا ذكره صاحب كتاب «كنز العرفان» مرّات عديدة، عن كتاب «النهاية في تفسير خمس مائة آية» وذكر هذا الكلام أيضاً في تفسير آيات الأحكام أيضاً، ونقل عنه بعض المطالب، في حين أنّ هذا الكتاب لا يوجد له أثر الآن [٦].
على أيّة حال، ففيما يتعلّق بالقرآن، هناك ثلاث مسائل لابدّ من بحثها: أحدها: من ناحية الصدور يعني انتساب القرآن إلى اللَّه تعالى، والثانية: مسألة عدم تحريف القرآن، والثالثة: جهة الدلالة وكيفية استنباط الأحكام من القرآن.
القرآن كلام اللَّه:
وهذا الموضوع يقع في دائرة البحوث الكلامية التي يتمّ إثباتها بواسطة الأدلة والشواهد المختلفة التي تثبت أنّ القرآن كلام اللَّه، وأنّ هذه هي عقيدة جميع المسلمين، وهم يعتقدون أنّ القرآن وحي إلهيّ من قِبل اللَّه تعالى إلى النبيّ الكريم صلى الله عليه و آله الذي كان في حال نزول الوحي على يقين تامّ من أنّ هذا القرآن هو كلام اللَّه تعالى. ثمّ أنّ النبيّ الأكرم تلاه على الناس بدون أيّ زيادة ونقصان وبلّغه إليهم، وبعده لم يقع تحريف أو تغيير في عباراته وآياته لحدّ الآن، فما هو بين أيدينا من كتاب اللَّه هوالقرآن الواقعي وكلام اللَّه الحقيقي. بل إنّ البعض يعتقد أنّ ترتيب آيات وسور القرآن أيضاً إنّما هو من قِبل اللَّه الذي أنزله بواسطة جبرئيل الأمين على النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله [٧] (وسيأتي قريباً البحث عن عدم إمكانية تحريف القرآن).
والمقصود من كون القرآن وحياً إلهياً ليس في دائرة المعنى والمفهوم فحسب، بل إنّ عين ألفاظه هي كلام
[١]. الإتقان، ج ٤، ص ٤٠؛ اللباب في اصول الفقه، ص ٥١.
[٢]. اللُّباب في اصول الفقه، ص ٤٩ و ٥٠.
[٣]. كشف الظنون، ج ١، ص ٢٠.
[٤]. الفهرست، ص ١٠٨.
[٥]. الذريعة، ج ١، ص ٤٠.
[٦]. مقدّمة كنز العرفان لواعظزادة الخراساني، ص ١١.
[٧]. اصول الفقه، ج ٢، ص ٥١.