موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٥ - هل يمكن الاحتياط؟
ولكن في فروع الدين و مع الالتفات إلى كثرة الأدلّة وتنوّعها وكذلك طول زمان الاجتهاد والفحص والبحث في الأحكام الشرعية، كذلك لزوم التعمّق في المعارف، فإنّ ذلك يؤدّي إلى انقطاع الإنسان عن أمور أخرى ويورث الاختلال في معاشه وحياته الطبيعية.
٢. في مسائل الدين لا يكون العلم واليقين شرطاً، بل يكتفي في وجود الأدلة ضمنيّة كخبر الواحد.
ولكن في المسائل الأصولية يحتاج إلى الجزم واليقين، (والذي لا يحصل عليه الإنسان من قول المجتهد). [١]
٤. شبهة عقلية في نقد التقليد
وإحدى الشبهات التي تثار في مسألة التقليد، هي أنّ التقليد يعمل على انحطاط الفكر وجموده، لأنّ جواز التقليد يتسبّب أن لا يتحرّك الناس في طلب العلم بل يكتفون بالأخذ برأي المجتهد وتقليده.
الجواب:
وفي مقام الجواب عن هذه الشبهة يمكن القول إنّ التقليد- بمعنى الرجوع لأهل الاختصاص والخبرة في كلّ فنّ- ليس فقط لا يوجب الانحطاط الفكريّ فحسب، بل يؤدّي إلى تطوير المجتمع والتقدّم في مجالات علمية ودينية مختلفة، لأنّ كلّ شخص لا يمكنه الاطّلاع والإحاطة بجميع العلوم، وعليه فلابدّ من اختيار علم أو علوم معينة والتخصّص فيها، ومن خلال الاستفادة من هذا المنهج في الأخذ بآراء المختصّين وأهل الخبرة في كلّ فن يتمكّن من حلّ سائر الأسئلة والمشكلات العلمية الأخرى.
مضافاً إلى ذلك فإنّ الواقع يفرض علينا قبول هذه الحقيقة، وهي أنّ بعض الناس حتّى لو تحرّكوا في خطّ طلب العلم والاجتهاد، فإنّهم لا يستطيعون التوغّل في المسائل الفقهية من موقع العمق والدقّة المطلوبة، وعليه فلو لم يتحرّكوا على مستوى التقليد والاستفادة من أهل التخصّص في العلوم الدينية فلا يبقى لهم طريق لأداء تكاليفهم الشرعية.
هل يمكن الاحتياط؟
ربّما يقال بوجود طريق ثالث غير الاجتهاد والتقليد، وهو طريق الاحتياط. وعليه فلو لم يتمكّن المكلّف من تحصيل ملكة الاجتهاد، فإنّه بإمكانه أن يتحرّك على مستوى الاحتياط في امتثاله للأحكام الشرعية ولا يحتاج بالتالي إلى التقليد.
وفي مقام الجواب نقول:
أوّلًا: إنّ الاحتياط في بعض المسائل الفرعية أحياناً غير ممكن، مثلًا إذا قال شخص للمصلّي (سلام عليكم) وكان المصلّي لا يعلم كيف يجيب سلامه، وهل تجب المماثلة أم لا؟ بمعنى هل أنّ الواجب عليه أن يقول (سلام عليكم) أم يكتفي بالقول (سلام)، في هذا المورد إذا أجابه بكلمة (سلام) فإنّه في صورة اعتبار المماثلة سيكون قد ارتكب حراماً، ولو قال له (سلام عليكم) ففي صورة وجوب الردّ بكلمة (سلام) سيكون قد أضاف إلى جوابه كلمة أخرى، وبالتالي فإنّ صلاته ستقع باطلة [٢].
على أيّة حال، فإنّه في الموارد التي يدور الأمر فيها بين الوجوب والحرمة لا يمكن الاحتياط فيهما والعمل
[١]. المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ج ٥، ص ٢٣٩٤ و ٢٣٩٥.
[٢]. الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة، ج ١٣، ص ١٦٠.