موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٠ - و) استفادة الفقهاء من آراء الآخرين
تتِّصل بالعوامل الجزئية الموجبة لاختلاف رأي الفقهاء، وعادة تهتمّ كتب «الفقه المقارن» ببيان النوع الأول من موارد الخلاف، والكتب الفقهية المفصّلة لكلّ مذهب تتكفّل بيان النوع الثاني من المسائل الخلافية.
د) قابلية الخطأ في رأي المجتهد
إنّ الأكثريّة الساحقة لفقهاء المذاهب يرون قابلية رأي المجتهد للخطأ على أساس أصل «التخطئة في الاجتهاد» ونفي نظرية التصويب، ولذلك فإنّ كلّ مجتهد يتحرّك في استنباط الأحكام للمسائل الفقهية الفرعية من أدلّة غير قطعية لا يدّعي «أنّ هذا الحكم هو حكم اللَّه قطعاً، وأنّ سائر فتاوى الفقهاء الآخرين مخالفة للإسلام»، بل يرى أنّ فتواه أقرب للواقع من غيرها وأنّها حجّة عليه وعلى أتباعه، مع أنّه في ذات الوقت يحتمل صحّة فتاوى الآخرين أيضاً، وهذه الخصوصية، وهي سلامة الفقهاء من عنصر الجمود، تعدّ من افتخارات الفقه والتفقّه في الإسلام.
وعلى هذا الأساس فليس فقط أنّ الفقهاء الواعين يتعاملون مع الآراء والفتاوى المخالفة لهم من موقع التحمّل وشرح الصدر، بل إنّ الفقيه الذي يقع أحياناً في فتاواه في خطأ معيّن رغم بذله الجهد والسعي والتتبّع على أساس منهج التفقّه الخاصّ؛ فإنّه يعتبر مأجوراً عند اللَّه:
«للمُصِيبِ أجرانِ وللمُخْطِىء أجرٌ واحد» [١].
ه) إلتزام الفقهاء الشديد باتّباع المنابع الشرعية
لا ينبغي توهّم أنّ اختلاف الآراء والفتاوى للفقهاء لايقوم على أساس معقول، وأنّ كلّ فقيه يفتي وفق ميله وحدسه الشخصيّ، بل يرى أنّه تابع للقرآن الكريم والسنّة الشريفة والمصادر الدينية، ولا يعلن عن حكم شرعيّ إلّاما يستوحيه من المصادر المذكورة. بل في صورة عدم اطمئنانه من صحّة استنباطه، فإنّه لا يفتي بهذه المسألة، بل يبيّنها بعبارات من قبيل: «الإحتياط واجب، الإحتياط مستحبّ، محلّ تأمل»، وإذا صدرت أحياناً فتاوى معدودة وقليلة من فقيه معيّن بوحي من أهوائه النفسية فإنّ الفقهاء الآخرين سيتحرّكون على مستوى استنكار هذا العمل.
ومع الأخذ بنظر الاعتبار هذا الالتزام الشديد لفقهاء الإسلام باتّباع الأدلّة من المصادر الشرعية يمكن القول أنّ اختلاف الفتاوى بين فقهاء المذهب أو بين فقهاء المذاهب الأخرى، معلول لعوامل فنّية تتسبّب في اختلاف فهم المجتهدين للحكم الشرعيّ عند استنباط هذا الحكم من المنابع الشرعية ولاختلاف النظر في الأصول والقواعد المختلفة في عملية الاجتهاد والاستنباط.
إنّ اطّلاع القرّاء الأعزّاء على طبيعة هذه العوامل والعلل الفنية في اختلاف الفتاوى بين الفقهاء، يبيّن عظمة وصعوبة الاجتهاد ودقّة الفقهاء الشديدة في عملية الاستنباط، وذلك يستدعي مزيد الاحترام والتقدير لهذه الجهود المضنية وأن ننظر إلى هذا الاختلاف في الفتاوى من موقع التكريم والتقدير.
و) استفادة الفقهاء من آراء الآخرين
إنّ المجتهد في الفقه الإسلامي يتحرّك دائماً على أساس الرؤية المتقدّمة من أجل تحصيل الحكم الواقعي
[١]. هذه الجملة المعروفة مستقاة من الحديث النبويّ. قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر واحد» (كنزالعمّال، ح ١٤٥٩٧ و ١٥٠١٩).