موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٦ - الثانية إرتباط فلسفة الأحكام مع الحُسن والقُبح الذاتيين للأشياء
«التكليف» و «الثواب والعقاب»
ستفقد مفهومها ومعناها فيما تفرضه من آليات وسلوكيّات على مستوى الممارسة والعمل.
وقد انقسم المتكلّمون الإسلاميون في هذه المسألة إلى طائفتين: فطائفة تسمّى «المعتزلة» وهم الذين قالوا ب
«العدل والاختيار»
، وطائفة أخرى اطلق عليهم بعد ذلك «الأشاعرة» قالوا ب
«الجبر والاضطرار» [١].
ويعتقد «الأشاعرة» بأنّ مقولة «العدل» ليست حقيقة يمكن وصفها وبالتالي القول بوجود معيار وملاك للأفعال الإلهيّة تقوم على أساسه، لأنّ مثل هذا الكلام يعدّ نوعاً من تعيين التكليف للَّهتعالى وتقييد المشيئة الإلهيّة بإطار معيّن، بينما اللَّه تعالى هو الحاكم المطلق وجميع القوانين مخلوقة له ومحكومة بمشيئته وإرادته المطلقة.
ويقول «المعتزلة»: إنّ العدل يملك حقيقة واقعية وإنّ اللَّه تعالى عادل وحكيم لا يتصرّف أو يعمل عملًا إلّا وفق معيار العدل. ومن هنا برزت مسألة الحُسن والقُبح الذاتيين للأفعال. وذهب المعتزلة إلى تأييد الذاتية في الحسن والقبح وطرحوا مسألة المستقلّات العقلية في هذ الحقل المعرفي.
أمّا «الأشاعرة» فكما أنّهم تحرّكوا في مسألة العدل من موقع الإنكار ونفي أن تكون صفة قبليّة وذاتيّة للأعمال، فإنّهم أنكروا أيضاً الحُسن والقُبح الذاتيين للأشياء في مرتبة سابقة وعلى أساس إدراك العقل لها وقالوا: إنّ العدل والظلم والحسن والقبح وما إلى ذلك إنّما تدرك من خلال بيان الشارع المقدّس، ويجب علينا في هذه المسائل أن نتعامل مع السنّة الإسلامية من موقع الإذعان والتسليم والتبعيّة المطلقة [٢].
وعلى هذا الأساس، طرحت مسألة «تعليل الأحكام» والأغراض الموجودة في أفعال اللَّه، وهل أفعال اللَّه تتحرّك وتصدر من موقع الغرض والهدف، أم لا؟
ومعلوم أنّ الإنسان في حياته العملية وسلوكياته يتحرّك باتّجاه هدف معيّن وغرض خاصّ، وكما يقال أنّه يبحث عن «من أجل» لكلّ «لماذا»، مثلًا عندما يواجه سؤالًا: لماذا تعمل هذا العمل؟ فإنّه يجيب: من أجل الحصول على المال وتدبير أمور المعيشة و ... وإلّا فإنّ عمله سيكون عبثياً ولا ينطلق من مبرّرات معقولة.
السؤال إذن: هل أفعال اللَّه تعالى معلّلة بالأغراض والغايات كأفعال الإنسان وتملك في مضمونها طبيعة انتخاب الأصلح والأرجح لكي تكتسب صفة الحكمة وتتّسم أفعاله بأنّها حكيمة، وبالتالي تخرج عن دائرة العبث، أم لا؟
ذهب «المعتزلة» إلى وجود غاية وغرض للفعل الإلهيّ، أمّا «الأشاعرة» فقد أنكروا هذا المعنى، أمّا كون اللَّه تعالى حكيماً كما ورد ذلك في القرآن بكثرة، فإنّهم تحرّكوا على مستوى توجيه هذه الصفة، كما ذكروا في مسألة العدل الإلهيّ فقالوا: إنّ ما يفعله اللَّه تعالى يعتبر عملًا حكيماً، لا أنّ العمل الحكيم هو الذي يفعله اللَّه تعالى [٣].
ومع ملاحظة ما تقدّم، تتبيّن طبيعة العلاقة بين موضوع البحث وبين مسائل «الجبر والاختيار»
[١]. والغاية من طرح هذا البحث هو من أجل توضيح سبب إنكار علل الأحكام من قِبل الأشاعرة وقبولها من قِبل المعتزلة.
[٢]. ولذلك يسمّون أنفسهم «أهل السنّة» أو «أهل الحديث» وبذلك سعوا لتقوية نفوذهم الاجتماعي بين الناس وتضعيف مكانة المعتزلة.
[٣]. انظر: كتاب «العدل الإلهي» تأليف العلّامة الشهيد مرتضى المطهري (مقدّمة الكتاب).