موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥١ - العامل الثاني عشر الإختلاف في أقسام الإجماع
ذهبوا إلى صحّة الصلاة في المكان المغصوب. ونقرأ في كتاب «المجموع» أنّ الصلاة في الأرض المغصوبة عند (الشافعيين) وعند جمهور الفقهاء صحيحة وإن ارتكب هذا المصلي حراماً بذلك، ولكنّ أحمد بن حنبل والجبّائي وغيرهما من المعتزلة ذهبوا إلى بطلان هذه الصلاة، وقال الغزالي في «المستصفى»: «والشخص الذي يراه باطلًا فهو بسبب التضادّ بين قصد القربة والمعصية ويدّعي كون ذلك محالًا بالعقل» [١] يعني الجمع بينهما.
٢. هل يجوز السفر في يوم الجمعة بعد الزوال وقبل إقامة صلاة الجمعة أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب بعض علماء الإمامية كالمحقّق الحلّي في «المعتبر» [٢]، السيّد محمّد العاملي في «مدارك الأحكام» [٣] والعلّامة السبزواري في «الذخيرة» [٤]، إلى التصريح بحرمة هذا السفر، واستدلّوا لذلك على دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضدّه (الضدّ الخاصّ) ولكنّ بعض الأحناف [٥] أفتوا بالكراهة، ويظهر من بعض آخر من الفقهاء القول بالكراهة أيضاً [٦].
ولكن كما قلنا في أصول الفقه [٧]، إنّ الأمر بالشيء لا يدلّ على النهي عن ضدّه الخاصّ، وعليه فإنّ ترك صلاة الجمعة، وإن كنّا نراه حراماً، إلّاأنّ السفر المذكور غير حرام.
العامل الثاني عشر: الإختلاف في أقسام الإجماع
ومن الأسباب الأخرى للاختلاف في الفتوى، مسألة الإجماع. وأصل حجّية الإجماع مورد اتّفاق علماء الإسلام، والوحيد من بين علماء الإسلام ممّن أنكر ذلك، هو «أبواسحاق إبراهيم بن سيّار البصري المعتزلي، المعروف بالنظّام»؛ وقد كتب كتاباً في ردّ الإجماع باسم «النكت» [٨]؛ رغم أنّ الآمدي يرى أنّ مخالفته للإجماع من قبيل النزاع اللفظي [٩].
وقد ورد في بعض كتب أهل السنّة أنّ الشيعة من المخالفين للإجماع [١٠]، في حين أنّ هذا الكلام مجانب للصواب، بل إنّهم يرون الدليل على حجّية الإجماع غير ما يراه أهل السنّة في هذا المورد، ونرى في الكتب الفقهية لدى الشيعة أنّهم يستدلّون بدليل الإجماع في كثير من المسائل الشرعية وبشكل واسع [١١].
إنّ مسألة الإجماع لدى أهل السنّة تتضمّن أهمّية بالغة، ولهذا يقال عنهم أنّهم «أهل السنّة والجماعة» [١٢].
وبديهيّ فإنّ الإجماع في نظر أهل السنّة سواءً بمعنى اتّفاق أهل الحلّ والعقد، أو إجماع الصحابة أو بمعنى آخر، لا يعني أنّ هؤلاء المجمعون يصدرون حكماً من عند أنفسهم، بل لكلّ واحد منهم ما يستند
[١]. المجموع، ج ٣، ص ١٦٤.
[٢]. المعتبر، ج ٢، ص ٢٩٤.
[٣]. مدارك الأحكام، ج ٤، ص ٥٩.
[٤]. ذخيرة المعاد للسبزواري، ج ٢، ص ٣١٣.
[٥]. الدر المنثور لعلاء الدين الحصفكي، ج ٢، ص ١٧٦.
[٦]. المصدر السابق.
[٧]. أنوار الأصول، ج ١، ص ٤٣٩.
[٨]. انظر: الفتح المبين في طبقات الأصوليين لعبداللَّه مصطفى المراغي، ج ١، ص ١٤٨.
[٩]. الإحكام في أصول الأحكام، ج ١، ص ١٦٧.
[١٠]. المحصول في علم الأصول، ج ٢، ص ٩ وأصول الفقه الإسلاميللشلبي، ص ١٥٧.
[١١]. انظر: كتاب جواهر الكلام، الذي هو من أوسع الكتب الفقهية لدى الشيعة.
[١٢]. مجموعة فتاوى ابن تيمية، ج ٣، ص ٣٤٦.