موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٢ - أقسام سدّ الذرائع
البلوغ، ولكن إذا كان الشاهد للحادثة والجريمة بعض الأطفال فقط، من قبيل حدوث نزاع وضرب بين الأطفال، فقد اختلف فقهاء الإسلام في الفتوى في هذه المسألة، فالشافعي أساساً لا يرى صحّة شهادة الأطفال.
أمّا مالك فقد ذهب إلى اعتبارها، وقد استدلّ لذلك بمقولة «الاستصلاح» وقال: «إذا أردنا أن نأخذ بنظر الاعتبار مصلحة المجنيّ عليه والمجروح فلا سبيل لذلك سوى قبول شهادة الأطفال أيضاً». [١]
وذهب فقهاء الإماميّة إلى أنّ شهادة الطفل في مثل هذه الموارد معتبرة بثلاثة شروط: الأوّل: أن يكون سنّ الشاهد أكثر من ١٠ سنوات. الثاني: أن يكون مشتغلًا بعمل أو لعب محلّل. الثالث: أن لا يتفرّق الأطفال بعد اللعب ومشاهدة الحادثة إلى زمان الشهادة عند القاضي.
ومستند فتواهم هذه ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام، ومنها قول الإمام عليّ عليه السلام:
«شهادة الصّبيان جائز بينهم ما لم يتفرّقوا أو يرجعوا إلى أهلهم» [٢]
، حيث استدلّوا بذلك في الكتب لفقهية [٣].
٢. تعذيب المتّهم بالسرقة لكسب الاعتراف منه
وقد استند مالك بمقولة الاستصلاح للقول بجواز ضرب المتّهم لكي يعترف بالسرقة، لأنّه في غير هذه الصورة لا يمكن اكتشاف الأموال المسروقة للناس، ولكن أكثر الفقهاء منعوا من ذلك وقالوا بعدم الجواز [٤].
وذهب فقهاء الإماميّة إلى عدم الجواز أيضاً، لأنّ هذا الأمر ليس من نوع المصالح القطعية التي لا يترتّب عليها ضرر [٥].
و) سدّ الذرائع وفتحها
«ذرائع» جمع ذريعة وهي في اللغة بمعنى الوسيلة، وسدّ الذرائع يعني منع مقدّمات العمل الحرام، والمراد بفتح الذرائع هو توفير مقدّمات العمل الواجب.
بالرغم من أنّ علماء المذاهب اختلفوا في المعنى الاصطلاحي للذرائع، ولكنّ خلاصة نظرهم هي: إنّ كلّ وسيلة تؤدّي إلى ارتكاب حرام وتكون مقدّمة للوقوع في الحرام، يجب تركها، وهو «سدّ الذرائع» وكلّ وسيلة يتوصّل بها الإنسان إلى امتثال الواجب، وبعبارة أخرى، تكون مقدّمة لتحصيل الواجب، فيجب الإتيان بها (فتح الذرائع).
أقسام سدّ الذرائع:
ويقسّم ابن القيّم الذرائع ومقدّمات الحرام إلى أربعة أقسام ويبيّن كلّ قسم منها:
١. الأعمال المولّدة للمفسدة بذاتها، مثل: شرب الخمر الذي يزيل العقل ذاتاً، والزنا الذي يوجب بذاته اختلاط النسل وهتك حرمة الاسرة.
٢. الأعمال التي يقصد بها المقاصد المباحة ذاتاً، ولكن بعض الأشخاص يستخدمونها كمقدّمة لتحقيق المقاصد المحرّمة من قبيل: الحيل في المعاملات للحصول على الفائدة الربوية.
٣. الأعمال التي يغلب في أمرها الوقوع في المفسدة، وإن كانت ذاتاً يتوصّل بها الإنسان لأغراض مباحة، من قبيل: سبّ المشركين أو إهانة الأوثان التي
[١]. أثر الأدلّة المختلف فيها، ص ١١٠.
[٢]. وسائلالشيعة، ج ١٨، ص ٢٥٣، ح ٦ (كتاب الشهادات، باب ٢٢).
[٣]. جواهر الكلام، ج ٤١، ص ١١؛ رياض المسائل للطباطبائي، ج ١٥، ص ٢٢٧.
[٤]. كتاب الاعتصام للشاطبي، ج ٢، ص ٨٤.
[٥]. تحريرالوسيلة، كتابالحدود، حدّالسرقة، القول فيما يثبت به، المسألة ٢.