موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٦ - ٢ علم الفلسفة
تحقيق الاستدلال والبرهنة بشكل أفضل وأيسر، وإن كانت بشكل إذا لم يعلم بها الإنسان فإنّه لا يعيقه ذلك من الوصول إلى المرتبة السامية للاجتهاد [١].
وفي نظرنا أنّ البيان المذكور لا ينفي أصل توقّف الاجتهاد على معرفة علم المنطق، غاية الأمر أنّ البعض يرى عدم لزوم تعلّم علم المنطق، لأنّه موجود في طبيعة الإنسان بالفطرة، وإن كان هذا الكلام بدوره قابل للمناقشة، لأنّ الذهن البشريّ أحياناً وبسبب ارتباطه بالمؤثرات الخارجية يبتلى بانحراف الذوق والاعوجاج في السليقة، وبالتالي يتحرّك في وادي المغالطة والاشتباه، ومن أجل نجاته من التورّط في الخطأ والمغالطة وتشخيص المغالطة في البراهين، لابدّ من الاستعانة بعلم المنطق ليتمكّن الإنسان في النهاية من اجتناب هذه المغالطات في مقام الاستنباط والاستدلال.
ومن مجموع ما تقدّم يتبيّن:
أوّلًا، إنّ الإطّلاع على علم المنطق يعتبر مقدّمة لعملية الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية،
ثانياً، إنّ قسماً مهمّاً من علم المنطق معلوم لدى الإنسان بشكل فطريّ.
ثالثاً، إنّ بعض أقسام علم المنطق يمكنها تسهيل عملية الاستنباط للمجتهد وإن كانت غير ضرورية.
رابعاً، ربّما يبتلى الإنسان أحياناً بانحراف في القسم الفطري للمنطق في واقعه ويتكفّل علم المنطق الحيلولة دون ذلك.
٢. علم الفلسفة
الفلسفة عبارة عن مجموعة مسائل تبحث عن الأحكام الكلّية للوجود، بدون أن تلاحظ الخصوصيات الطبيعية أو الرياضية فيها [٢].
وأحد خصائص علم الأصول في العصر الحاضر هو الاستفادة في مجال بحوثه من القواعد الفلسفية لتبيين أو إثباب القواعد الأصولية، بحيث إنّ بعض مباحث الأصول تجلّى فيها الاستيحاء والاستمداد من القواعد الفلسفية بوضوح.
أمّا هل يمكن أن تكون الفلسفة من العلوم التي تعتبر مقدّمة للاجتهاد؟ هناك آراء مختلفة، فبعض يرون أنّ ذهن الفقيه يجب أن يكون منزّهاً عن المباحث الفلسفية لضمان سلامة عملية الاجتهاد، كما يقول المرحوم الملّا النراقي:
«قيل يشترط أن لا يكون مستأنساً بطريق الحكمة والرياضي ونحوهما» [٣].
وذهب جمع آخر إلى أنّ الاجتهاد لا يحتاج إلى معرفة الفلسفة، ولكنّ معرفتها لا تخلّ بعملية الاجتهاد بل ربّما تؤثّر إيجابياً في فهم وتعميق عملية الاستدلال [٤].
ويرى بعض آخر أنّ الاجتهاد العقلي يتوقّف على معرفة القواعد الفلسفية والمنطقية [٥].
وفي هذا البين سلك جماعة من العلماء طريقاً وسطاً وذكروا طريقة مناسبة للاستفادة من القواعد الفلسفية في هذا الشأن، فالعلّامة الطباطبائي رحمه الله ابتكر مسألة عدم الخلط بين القضايا الحقيقية والقضايا الاعتبارية وفصل بينهما [٦]، وكذلك الإمام الخميني رحمه الله، من جملة السالكين
[١]. أنوار الأصول، ج ٣، ص ٦٢٦.
[٢]. دروس الفلسفة، ص ٢.
[٣]. مناهج الأحكام والاصول، ص ٢٦٩ (مقتبس من مجموعة مقالات مؤتمر الفاضلين النراقيين، ج ١، ص ٩٥ و ٩٦).
[٤]. أنوار الأصول، ج ٣، ص ٦٢٧.
[٥]. الأصول العامة للفقه المقارن، ص ٥٧١.
[٦]. حاشية الكفاية للعلّامة الطباطبائي، ج ١، ص ١٠٧.