موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٥ - ١ طريقة التأثير في دائرة المفاهيم القرآنية
ب) النحو الآخر من تأثير الزمان والمكان في المفاهيم القرآنية، نسخ بعض الآيات، فالنسخ في الحقيقة هو رفع الحكم بسبب انقضاء مدّته، فالحكم الذي يوضع على المكلّف في موارد النسخ هو في الواقع مقيّد بزمان خاصّ، وذلك الزمان معلوم عند اللَّه وإن كان مجهولًا عند الناس [١] وبعد انتهاء مدّته يعلن الشارع عن ذلك بشكل رسمي.
إنّ آيات القبلة والنجوى تمثّل نموذجاً بارزاً لعملية النسخ هذه.
ج) والنحو الآخر من تأثير الزمان في بحوث القرآن هو وجود موارد خاصّة، حيث تبيّن للناس بعد مدّة انقضاء زمانها طبقاً لبعض المصالح، مثلًا جاء في القرآن الكريم: «كُلُوا مِمَّا فِى الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّباً» [٢] وهو حكم عام بالنسبة لحلّية الأطعمة والمواد الغذائية. ثمّ بيّن القرآن بالتدريج موارد التخصيص مع مرور الزمان، لأنّ المصلحة كانت تقتضي التدرّج في بيان الأحكام، مثلًا كما في الآية الكريمة: «حُرِّمَت عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ...» [٣] أو ما نجده في تدريجية الحكم بتحريم الخمر من أجل تهيئة الأجواء لإيجاد التأثير القويّ والقطعيّ في نفوس المخاطبين. إنّ ما تقدم آنفاً يصدق أيضاً على موارد المطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن أيضاً.
د) النحو الرابع من التأثير بعد إتمام نزول الآيات القرآنية والذي يتعلّق بفهم الآيات على امتداد الزمان فيما يتّصل بالحاجات والمتغيّرات الجديدة، كما ورد هذا المعنى في الرواية التي ذكرناها سابقاً عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يَجْعَلْه لزمان دونَ زمانٍ ولا لناسٍ دون ناسِ، فهو في كلّ زمانٍ جديدٌ، وعند كلّ قومٍ غضٌّ إلى يومِ القيامة» [٤]
. أي أنّ المفاهيم القرآنية هي بشكل تستوعب جميع الأزمنة والأمكنة بحيث تنطبق على جميع الموارد التي تواجهها المجتمعات البشرية على امتداد التاريخ، ومنح الإنسان جميع ما يحتاجه في واقع الزمان والمكان، وطبقاً لرواية الفضيل عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:
«يجري كما تَجري الشّمسُ والقمر» [٥].
واللافت أنّ ما يقع على امتداد الزمان من تفسير للآيات الشريفة إمّا أن يكون فهماً جديداً لهذه الآيات أو تطبيقاً على مصداق جديد. ولا ينبغي الغفلة عن أنّ المراد بالفهم الجديد هو ما يقع في إطار قواعد باب الألفاظ والأدبيات العربية.
إنّ الأشكال الأربعة لتأثير الزمان والمكان المذكورة آنفاً لها دور أيضاً في مقام استنباط الأحكام، وإن كان الدور الأهمّ لها في فهم الآيات الشريفة، حيث سبق بيانه في فهم النصوص.
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّه مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ القرآن هو أحد المنابع الدينية في عملية الاستنباط بل هو الأصل لهذه المنابع فإنّ تأثير الزمان والمكان في فهم الآيات القرآنية وخاصةّ في القسم الرابع، يعني تأثير الزمان والمكان في عملية الاستنباط أيضاً في الكثير من الموارد.
[١]. بداية المعارف الإلهيّة في شرح عقائد الاماميّة، ص ٢٠٠.
[٢]. سورة البقرة، الآية ١٦٨.
[٣]. سورة المائدة، الآية ٣.
[٤]. بحار الأنوار، ج ١٧، ص ٢١٣.
[٥]. المصدر السابق، ج ٢٣، ص ١٩٧.