موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١١ - الفصل الثالث إمتيازات الحكومة الدينية
النتيجة:
تبيّن بوضوح من خلال البحوث التي وردت في هذا الفصل الثاني أنّ ما يذكره أنصار العلمانية في أجواء المجتمع الإسلامي بأنّ الدين ينحصر في دائرة الأمور الفردية والأحوال الشخصية، وأنّه لا علاقة له بأمور السياسة والحكومة، هو في الواقع ناشىء من عدم معرفتهم بالفقه الإسلامي أو عدم دقّتهم في مفهوم السياسة أو كليهما.
وإلّا فكيف يمكن أن يقرأ الشخص أبواب الفقه الإسلامي ويرى باب الجهاد والقضاء والحدود والديات إلى مسائل تتّصل بالزكاة وتشكيل بيت المال وأحكام الأقلّيات والعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين والإشراف على السوق وتنظيم العلاقات الاقتصادية وحتّى بالنسبة للعبادات التي تتّسم بصبغة اجتماعية كالحجّ وصلاة الجمعة والجماعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق الأمن في أجواء المجتمع الإسلامي التي تشكّل قسماً مهمّاً من الكتب الفقهية، ومع ذلك يقول إنّ الدين الإسلامي لا يتدخّل في أمر الحكومة والسياسة، ويعتقد بأنّ الدين يدور حول محور الأحكام الفردية؟!
والجدير بالذكر بأنّ الوارد في روايات أئمّة الإسلام أنّ مسألة الحكومة تمثّل أساس جميع الأحكام الإسلامية، والوسيلة لتحقيق هذه الأحكام على أرض الواقع الاجتماعي.
ونقرأ في حديث عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال:
«إنَّ الإمامَةَ أسَاسُ الإِسْلامِ، بالإمامِ تَمامُ الصّلاةِ والزَّكَاةِ والصِّيامِ والحَجِّ وتَوْفِيرِ الفَيْىءِ والصَّدَقاتِ وإمْضاءِ الحُدودِ والأحْكامِ ومَنْعِ
الثُّغورِ والأطْرافِ» [١].
وبالإمكان الخروج بنتيجة أخرى من هذا البحث، وهي أنّ الشخص الذي يقف على رأس الحكومة الإسلامية ويستلم زمام الأمور في المجتمع الإسلامي يجب أن يكون عارفاً بالإسلام ومطّلعاً على المسائل الفقهية، بل ينبغي أن يتّخذ لنفسه جماعة من الفقهاء وأهل الخبرة في الأمور والمسائل الدينية ليستشيرهم ويستعين بهم في أمر الحكومة لئلّا تبتعد الحكومة عن موازين العدل وتسير في خطّ الانحراف عن الأحكام الفقهية. وطبيعيّ أنّ هذه المسألة تحتاج إلى دراسات وتفصيل أكثر، حيث ينبغي الرجوع في ذلك إلى الكتب المفصّلة.
الفصل الثالث: إمتيازات الحكومة الدينية
ربّما يثار هذا السؤال: ما هي امتيازات الحكومة الدينية التي لا تتوفّر في الحكومات العلمانية وغير الدينية؟
والجواب عن هذا السؤال ليس بالأمر المشكل، فلو أنّ الحكومة الدينية تحرّكت على مستوى القيادة في الخطّ الصحيح وابتعدت عن حالات التعصّب ولم تخضع في سياساتها للمتشدّدين وأمكن استخراج لطافة المشروع الديني من عمق المبادىء السماوية؛ فسوف تتجلّى لها معطيات إيجابية كثيرة لا توجد في الحكومات العلمانية إطلاقاً، ومن ذلك:
١. إنّ الحكومات البشرية تتلوّن عادة بصبغة قومية
[١]. الكافي، ج ١، ص ٢٠٠.