موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٨ - ٨ اقتران الفقه الإسلامي بالحكومة بشكل كامل
المرتبطة بالحكومة، مثلًا:
تحقيق الأمن الداخلي وحفظ أموال ونفوس الناس والقيام بأمور الحسبة والإشراف على أمور الرعية ورعاية أمور الأيتام والقصّر وتنظيم الشوارع والأسواق والإشراف على الأسعار وأمثال ذلك، فهذه كلّها من الأمور التي ذكرت لها أحكام شرعية في الفقه الإسلامي. وهذه الأمور لا تقع على عهدة الناس أو يقوم بها الأفراد بشكل طوعيّ، بل تحتاج إلى إشراف حكومي والاستعانة بقوّة عليا في هذه العملية. ومن هنا نرى أنّ الإمام عليّاً عليه السلام في «عهده لمالك الأشتر» الذي يعدّ من أهم الشواهد على عدم فصل الدين عن الحكومة، عندما يريد تقسيم شرائح المجتمع إلى عدّة أقسام، ويوصي الأشتر بوصايا فيما يتّصل بالتجّار وأهل الحرف والصناعات، يقول:
«فَامْنَعْ مِنَ الاحْتِكارِ فَإنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله مَنَع مِنهُ، وَلْيَكُنِ البَيْعُ بَيْعاً بِمَوازِينَ عَدْلٍ، وأسْعارٍ لا تُجْحِفُ بِالفَرِيقَيْن من البائِعُ والمُبْتَاعِ، فَمَنْ قارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إيّاهُ فَنَكِّلْ بِه و عاقِبْهُ فِي غَيْرِ إسْرافٍ» [١].
ويعدّ الإحتكار من جملة الذنوب الاجتماعية التي لم يرد لها في الشريعة حدّ معيّن، ولذلك يحتاج تأديب المحتكر إلى الاستعانة بالقوّة القهرية للسلطة.
يقول العالم المعروف ابن أبي الحديد المعتزلي بعد بيان وتوضيح كلمات الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام المذكورة:
«وأمَره أن يؤدّب فاعل ذلك من غير إسراف، وذلك أنّه دون المعاصي الّتى توجب الحدود، فغاية أمره من التعزير والإهانة والمنع» [٢].
يقول الدكتور وهبة الزحيلي: «وقد حدّد الفقهاء أربع حالات يجوز فيها شرعاً أن تنزع الأملاك: الحالة الثالثة: أن تنزع الملكية منعاً من الاحتكار، وذلك كما إذا احتكرت طائفة التجّار أقوات الناس وحصل من ذلك ضرر، فإنّه يجوز للحاكم أن يمنعه ببيعٍ أو تسعير، دفعاً للضرر» [٣].
وكذلك يقول الدكتور وهبة الزحيلي في بحث آخر بعد تأكيده على هذه النقطة وهي أنّ رضا الطرفين يمثّل أساس «العقود» ولا يمكن إجبار شخص على إجراء العقد والعمل بمضمونه يقول: «... إلّاما توجبه قواعد العدالة ومصلحة الجماعة كبيع الأموال المحتكرة لصالح الجماعة، واستملاك الأراضي للمصالح العامة» [٤].
على أيّة حال فمن الواضح أنّ تحقيق هذه الأمور في واقع المجتمع لا يتيسّر بدون تشكيل حكومة تأخذ على عاتقها تنظيم هذه الأمور، وفي غير هذه الصورة تعمّ الفوضى في أجواء المجتمع الإسلامي.
٥. إنّ قسماً مهمّاً من الأحكام الفقهية تتشكّل من أحكام العبادات كالصلاة والصوم والحجّ و ... فيما يتّصل بعلاقة الخلق مع الخالق، ويبدو أنّ هذه الأحكام لا ترتبط بمسألة الحكومة حسب الظاهر ولكن مع قليل من التأمّل والدقّة يتبيّن أنّ تحقيق هذا الأمر وإجراء هذه الأحكام بشكل صحيح يحتاج إلى إشراف السلطة أيضاً. ومن هنا ورد في التاريخ الإسلامي أنّ الحاكم يعيّن في كلّ عام «أمير الحاجّ» لرعاية أمور الحج الذي يمثّل عبادة كبيرة جماعية، وكذلك يتمّ تعيين أئمة الجمعة من قِبل الحاكم.
ويشير القرآن الكريم أيضاً إلى هذه المسألة بعبارة لطيفة ويقول: «الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا
[١]. نهج البلاغة، الرسالة ٥٣.
[٢]. شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد، ج ١٧، ص ٨٥.
[٣]. انظر: الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ٧، ص ٤٩٩٦.
[٤]. المصدر السابق، ج ٤، ص ٣٠٤٧.