موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٩ - ٤ الروايات التي تنهى عن الإفتاء بدون علم
ويستفاد ممّا تقدم أنّ باب الاجتهاد لم يكن موصداً في نظر أئمّة أهل البيت عليهم السلام وفقهاء وأتباع هذه المدرسة إطلاقاً، ولم تكن مدرسة أهل البيت عليهم السلام في أيّ عصر من العصور فاقدة لعنصر الاجتهاد ووجود المجتهدين الكبار.
٣. روايات أهلالبيت عليهم السلام وانفتاح باب الاجتهاد
وقد وردت روايات كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام تؤكّد على أنّ الأئمّة كانوا يوصون أصحابهم بالإفتاء، وهذه الروايات تبرّر بوضوح فتح باب الاجتهاد في كلّ عصر وزمان، ومن جملة هذه الروايات:
أ) ما ورد في كتاب أميرالمؤمنين الإمام عليّ عليه السلام لقثم بن العبّاس:
«أمّا بَعدُ! فأقِمْ للنّاسِ الحَجَّ وذَكِّرْهُم بأيّامِ اللَّهِ وَاجْلِسْ لَهُمُ العَصْرَينِ، فأفتِ المُسْتَفْتِيَ وعَلِّمِ الجَاهِلَ وذَاكِرِ العَالِمَ» [١].
ويظهر من كلام أميرالمؤمنين عليه السلام لقثم بن عبّاس أنّ الإمام يأمره بالجلوس كلّ صباح ومساء للفتوى وللجواب عن مسائل الناس الشرعية، وهذا المعنى بلا شكّ لا يعني مجرّد نقل الرواية أو تلاوة الآية [٢].
ب) يقول سليم بن أبي حيّة: كنت عند الإمام الصادق عليه السلام، فلمّا أردت أن أفارقه ودّعته وقلت: أُحبّ أن تزوِّدني، فقال:
«ائتِ أبانَ بنَ تَغلبَ فإنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنّي حَدِيثاً كَثِيراً، فَما رَوى لَكَ فَارْوِه عَنِّي».
قال: وقال له أبو جعفر عليه السلام:
«إجلِسْ فِي مَسْجِد
المَدِينَةِ وأفْتِ النّاسَ، فإنّي أُحِبُّ أن يُرى في شِيْعَتي مِثْلُك» [٣].
ومن الواضح أنّ كلام الإمام الباقر عليه السلام يدور حول الفتوى لا مجرّد نقل الحديث.
ج) يقول الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام للراوي:
«عَلَيْنا إلقاءُ الأصولِ إلَيكُم وعَلَيكُم التفرّع» [٤].
ونظير هذه الرواية ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام لهشام بن سالم:
«إنَّما علَينا أن نُلْقِيَ إلَيكُمُ الأُصولَ وعَلَيكُم أن تُفَرِّعُوا» [٥].
وجاء في «عوالي اللئالي» أنّ زرارة وأبا بصير نقلا مثل هذا الحديث عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام.
ويقول المرحوم العلّامة المجلسيّ: إنّ هذا الحديث يدلّ على جواز استنباط الأحكام في العمومات» [٦].
٤. الروايات التي تنهى عن الإفتاء بدون علم
أ) نقل الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«وَمَن أفتى النَّاسَ بِغَيرِ عِلْمٍ وهُوَ لا يَعْلَمُ النّاسِخَ مِنَ المَنسُوخِ والمُحْكَمِ مِنَ المُتَشابِهِ، فَقَد هَلَكَ وأهْلَكَ» [٧].
ومفهوم هذا الحديث هو أنّ من يفتي بعلم وهو مطلّع على الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه فإنّه مُجاز، وهذا دليل على جواز الاستنباط وانفتاح باب الاجتهاد.
[١]. نهج البلاغة، الرسالة ٦٧.
[٢]. قثم بن العباس يروى عن النبيّ، وقال ابن عبدالبرّ: عيّنه الإمام عليّ عليه السلام والياً على مكّة، ولكن يعتقد الدارقطني أنّ الإمام علي عليه السلام عيّنه والياً على المدينة وعيّن أخاه «معبد» والياً على مكّة (تهذيب التهذيب، ج ٨، ص ٣٢٣ و ٣٢٤).
[٣]. مستدرك الوسائل، ج ١٧، ص ٣١٥؛ رجال ابن داوود، ص ١٠، الرقم ٤؛ رجال العلّامة الحلّي، ص ٢١؛ رجال النجاشي، ص ١٠.
وثقّ حاتم الرازي أبان بن تغلب، ونقل عن الإمام أحمد أنّه سئل عن أبان بن تغلب؟ قال: إنّه ثقة. وذكره ابن حبّان أيضاً في جماعة من الثقات. (تاريخ أسماء الثقات، ص ٣٨).
[٤]. بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٤٥.
[٥]. وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ٦٢.
[٦]. بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٤٥.
[٧]. الكافي، ج ١، ص ٤٣.