موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٢ - ب) محوريّة المصلحة والمصالح المرسلة
الاجتماعي، قانون العمل، مقرّرات المرور، البيئة، المعادن، الحقوق العالمية، والرحلات الفضائية، التوأمين الملتصقين، المشاركة في الانتخابات عن طريق الاقتراع، كلّها من جملة المسائل التي لم تكن في صدر الإسلام وعند صدور الأحكام الشرعية، ومع القول بتأثير عنصري الزمان والمكان في الاجتهاد يمكن استنباط أجوبة هذه المسائل من النصوص الدينية.
ه) رفع العسر والحرج
إنّ العسر والحرج يعدّان من العناوين النسبية والإضافية، حيث تتغيّر مع تغيّر الظروف الزمانية والمكانية (اختلاف الأشخاص وحالاتهم) إنّ قاعدة نفي العسر والحرج حاكمة على الكثير من الأحكام الحكومية، والفقيه يمكنه بتشخيص موارد العسر والحرج التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، أن يمنع وقوع الناس في المشقّة والعسر، وفي هذا العصر وبسبب استعمال الناس لوسائل النقل الجديدة، فإنّ السفر للحجّ بالطريقة القديمة (مشياً على الأقدام أو ركوب الدوابّ) يعتبر عملًا صعباً جدّاً وفيه نوع من الحرج قطعاً، وبالتالي فإنّ الحكم بوجوب الحجّ على من يفتقد وسائل النقل الحديثة، مرفوع بحكم قاعدة «لا حرج».
الفصل الثاني: الشبهات و علامات الإستفهام
أ) الإشكال على خلود الأحكام الأوّليّة للإسلام
إذا قلنا بتأثير الزمان والمكان في الأحكام وأنّها تؤدّي إلى تغيير هذه الأحكام، فذلك يعني أنّ الإسلام ليس ديناً أبديّاً وليست أحكامه خالدة، وهذا الأمر يتقاطع مع أصل أبدية الأحكام:
«حَلالُ محمّدٍ حَلالٌ إلى يوم القيامةِ وحَرامُه حَرامٌ إلى يومِ القيامةِ».
الجواب: لقد تبيّن في البحوث السابقة بوضوح أنّ الأحكام الإسلامية لا تقبل التغيير، وإنّما يصيب التغيير موضوعات الأحكام، وحينئذٍ لا يرد الإشكال على أحكام الإسلام وأبديّتها، مثلًا إذا تبدّل الخمر إلى الخلّ وتبدّل الحكم بحرمته إلى الإباحة، فلا يقال حينئذٍ أنّ الأحكام الإسلامية غير أبديّة.
ب) محوريّة المصلحة والمصالح المرسلة
على أساس ما تقدّم من كون المصلحة هي المحور لصدور الأحكام، والفقيه إنّما يصدر الحكم الشرعيّ من خلال تشخيصه للمصلحة، وهذا هو ما ورد من المصالح المرسلة لدى أهل السنّة عند فقدان الدليل الشرعي المعيّن.
وبعبارة أخرى: إنّ فقهاء أهل السنّة يتمسّكون في الموارد التي لا يوجد نصّ أو حكم شرعيّ فيها، بالمصالح المرسلة، في حين أنّ هذا المطلب غير مقبول لدى فقهاء الإمامية.
الجواب: إنّ أصول الفقه لدى الشيعة وإن كانت تؤكّد على تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعية في مقام الثبوت، إلّاأنّها في مقام الإثبات لا تقرّر أنّ كلّ مصلحة يراها الإنسان ما لم تكن مفيدة للعلم، هي ملاك استنباط الحكم الإلهيّ الكليّ [١]، وبعبارة أخرى: إنّ المقصود من المصلحة التي يتمسّك بها الفقيه الشيعي
[١]. أصول الفقه للمظفر، ج ٣، ب ٤، الدليل العقلي.