موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٨ - ١ حقيقية القضايا للأحكام الشرعية
٣. انفتاح باب الاجتهاد
تقدّم في فصل «انفتاح باب الاجتهاد» من هذا الكتاب، والذي يعتبر أحد رموز ديناميّة وحيويّة الفقه الشيعي، هو الاعتقاد بانفتاح باب الاجتهاد، القائلون بامتداد المطلق ليس لهم طريق للجواب عن المسائل المستحدثة التي لم تقع في الماضي، والاعتقاد بانسداد باب الاجتهاد أدّى إلى ركود الفقه وتأخّره وبالتالي حيرة المسلمين فيما يتّصل بالمسائل المستحدثة [١].
٤. تقسيم الأحكام إلى تأسيسية وإمضائية
ومن جملة الأمور التي تعتبر عنصراً لاستيعاب وشمول الشريعة الإسلامية لكافّة مناحي الحياة والحاجات البشرية، وبالتالي تهيئة الأرضية لحلّ المسائل المستحدثة، هو أنّ الشريعة الإسلامية تملك إلى جانب القوانين التأسيسية، قوانين إمضائية أيضاً، لأنّه عندما نرى من جهة أنّ الإسلام أقرّ الكثير من القوانين الاجتماعية التي كانت متداولة بين العقلاء لحلّ مشاكلهم في الحياة والتي تتّصل بالعلاقات الاجتماعية واعترف بها مع بعض الإصلاحات، وببيان آخر: إنّ الفقه الإسلاميّ ولغرض تأمين الحاجات القانونية المختلفة لم يطرح قوانين تأسيسية دائماً، بل إنّه في أغلب الموارد أمضى ما حكم به العقل والتجربة البشرية بعد إجراء بعض الإصلاحات عليها، يعني أنّه أضاف إليها قيداً أو حذف منها قيداً معيّناً، ومن جهة أخرى نرى أنّ الكثير من سيرة العقلاء الفعلية التي تظهر بشكل قوالب جديدة، كانت في أصلها ومضمونها بشكل آخر من بناء العقلاء في زمان الشرع، وفي الحقيقة أنّ مثل هذه الأحكام التي وقعت مورد إمضاء الشارع هو ما يتّصل بروحها وجوهرها، وبما أنّ الشكل والقالب الفعليّ يعتبر مصداقاً لذلك الجوهر، فإنّها تعتبر من الأحكام الإمضائية.
ومن ضمّ هذين الأمرين نخرج بهذه النتيجة، وهي أنّ إمضاء الكثير من القوانين والمقررات العقلائية يعتبر أحد الطرق التي توفّر الحلّ والخروج من المضائق القانونية في المسائل المستحدثة.
وعلى أيّة حال، فإذا ثبت وجود موضوع جديد بشكل مقرّرات عقلائية، فبالرغم من أنّ القالب جديد ظاهراً ولكنّ جوهره ولبّه كان موجوداً في عصر المعصومين عليهم السلام في قالب آخر، ويستفاد من عدم ردع المعصوم وسكوته، أنّ هذا الحكم وقع مورد إمضاء الشارع ويحكم بالتالي بأنّه حكم شرعيّ إسلاميّ.
والجدير بالذكر أنّ هذا لا يعني عرفيّة الأحكام، كما تحدّث بذلك بعض المثقّفين المعاصرين، وسيأتي في الفصل الثامن عشر من فصول هذا الكتاب بحث هذا الموضوع تحت عنوان «الأحكام الإمضائية والتأسيسية وعرفيّة الأحكام».
البحث الثالث: القواعد و الضوابط الحاكمة على المسائل المستحدثة
١. حقيقية القضايا للأحكام الشرعية
المعروف أنّ كل قضية تنقسم إلى قسمين: قضيّة خارجيّة وقضيّة حقيقيّة.
[١]. الفصل الثامن من فصول هذا الكتاب، القسم الأخير من «انفتاح باب الاجتهاد».