موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٢ - ١ حقيقية القضايا للأحكام الشرعية
الفرد الغالب، فالمعيار هو الفرد الغالب (وأحياناً يتمّ إلغاء الخصوصية وإلغاء التفاوت الموجود بين الفرد الغالب والمتعارف وبين سائر الأفراد، وبالتالي نجري الحكم لجميع الأفراد والمصاديق بشكل واحد. وبديهيّ أنّ ذلك يكون فيما لو حصل لدينا يقين بعدم وجود خصوصية معيّنة للفرد الغالب).
وعلى سبيل المثال، أنّ من جملة الأسئلة التي تطرح في هذا المجال، السؤال عن حكم الأسلحة الثقيلة كالطائرات والدبّابات و المدافع المضادّة للطائرات وأمثال ذلك، التي يغنمها المسلمون من أعداء الإسلام، فهل الآية الشريفة: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّنْ شَيءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ» [١] تدلّ على أنّ المقاتلين في هذا الزمان يملكون أربعة أخماس الغنائم الحربية ويجب عليهم دفع خمس هذه الغنائم إلى الحاكم الشرعي وبالتالي فإنّ الغنيمة تشمل هذه الأسلحة الثقيلة أيضاً.
وفي مقام الجواب عن السؤال نقول: إنّ الآية المذكوة منصرفة عن الأسلحة الثقيلة وأمثالها بدليلين:
١. إنّ نفقات الجيش الإسلاميّ في عصرنا الحاضر بعهدة الحكومة بخلاف ما كان في صدر الإسلام.
فالحكومة الإسلامية في هذا العصر تتحمّل نفقات الحرب من توفير وسائل النقل والأسلحة والطعام والدواء ونفقات علاج المجروحين والمعلولين والرواتب الشهرية للمقاتلين، بل تتضمّن هذه النفقات ما تدفعه الحكومة إلى أُسر الشهداء والنفقات الأخرى المتعلّقة بها. في حين أنّ جميع هذه النفقات في زمان نزول الآية الشريفة والعصور القربية من ذلك العصر كانت بعهدة المقاتلين أنفسهم. ومن هنا كان الفارس يأخذ سهمين والراجل يأخذ سهماً واحداً من الغنائم الحربية في ذلك الوقت، لأنّ الفرسان يتحمّلون نفقات أكثر بما لديهم من دوابّ. وبالطبع فأحياناً يتمّ دفع بعض الامتيازات لبعض المقاتلين، وخاصّة الفقراء منهم.
ولكنّ هذه الامتيازات لا تستوعب جميع حاجاتهم، ولهذا السبب يمكن القول أنّ الآية الشريفة منصرفة عن الغنائم الحربية في عصرنا الحاضر.
٢. إنّ الأسلحة وأدوات القتال في عصرنا الحاضر تحتاج إليها الحكومات فقط وليس لها مصارف واستعمالات شخصيّة، بمعنى أنّ الأشخاص لا يمكنهم الاستفادة من هذه الأسلحة في حياتهم الشخصية وإن أمكنهم الاستفادة من ثمنها بعد بيعها، ولكن لا دليل على إمكان وجواز بيع هذه الأسلحة الثقيلة من قِبل الأشخاص. ولهذا يمكن القول بانصراف آية الغنيمة عن المصاديق المذكورة في هذه المسألة.
وعلى أيّة حال، فالكثير من التحوّلات والمتغيّرات في حياة البشرية تنخرط في ظلّ القواعد الكلية الواردة في القرآن الكريم والروايات الشريفة على شكل عمومات وإطلاقات، وبالتالي فهي قابلة للحلّ، مثل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» [٢] و «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» [٣] و «الصُّلْحُ خَيْرٌ» [٤] و
«الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِم» [٥]
فالقواعد المذكورة تستوعب جميع العقود والمعاملات التي تملك الشروط الشرعية العامة، حتّى العقود المستحدثة بين الأشخاص بل تشمل العقود بين الدول أيضاً.
وكذلك ما ورد في الآية الشريفة ١٣٥ من سورة
[١]. سورة الأنفال، الآية ٤١.
[٢]. سورة المائدة، الآية ١.
[٣]. سورة البقرة، الآية ٢٧٥.
[٤]. سورة النساء، الآية ١٢٨.
[٥]. وسائل الشيعة، ج ١٥، ص ٣٠، الباب ١٩ من أبواب المهور، ح ٤.