موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٦ - الثالث نظرية اتّحاد الحقوق والحكومة
ونظرية هيجل يتّصل ببيان ماهية الدولة. في رأي هيجل أنّ الدولة أمر معقول وضروريّ على مستوى كونها منشأ الحقوق والمبنى العام لها، وأمّا على رأي كلسن فإنّ الدولة في ذات الوقت التي تخلق الحقوق فإنّها لا تكون مستقلّة ومنفصلة عن الأصول الحقوقية الملزمة، بل إنّ الدولة بمثابة مؤسسة حقوقيّة ومظهر للنظام الحقوقيّ في المجتمع، وأمّا النسبة بين الدولة والحقوق فهي كالنسبة بين اللَّه تعالى وسائر الموجودات، حيث يعتقد كلسن كما أنّ اللَّه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات وفي ذات الوقت غير منفصل عنها، فإنّ الدولة أيضاً هي الخالقة للحقوق ولكنّها في ذات الوقت غير منفصلة عن مجموعة من القوانين والمقرّرات، وبالتالي فهي متّحدة معها اتّحاداً وجودياً.
نقد ومناقشة:
بالرغم من أنّ نظرية كلسن تتمتّع بقبول واسع في ألمانيا و النمسا، ولها أتباع كثيرون، ولكنّها لا تخلو أيضاً من جملة من الإشكالات الواردة عليها:
١. إنّ كلسن يرى أنّ دراسة الأسباب والعوامل الاجتماعية تضع القانون خارج دائرة الحقوق، ومن هنا فإنّه يعمل على قطع الارتباط بين الحقوق والعالم الخارجيّ ويحصل هذا العلم بدائرة التحقيق في إيجاد القواعد الحقوقية، في حين أنّ تطابق كلّ قاعدة مع أصل أو قاعدة عليا، لا يمكنه أن يمثّل بمجرّده قيمة واقعية للأصول الحقوقية، لأنّه ينبغي ملاحظة هل القاعدة العليا متطابقة مع عنصر العدالة والقيم العقلية أم لا؟ وعليه، فمن الواضح أنّ انطباق قاعدة معيّنة على قاعدة عليا كالقانون الأساسيّ لتلك الدولة «الذي يعتبر القانون الأُم» لا يقرّر مشروعية هذه القاعدة الأدنى فيما إذا اقترنت بالظلم والعدوان على كرامة الإنسان، وإن كانت حسب الظاهر لا تواجه إشكالًا منطقياً حسب نظرية كلسن [١].
٢. إنّ كلسن يقول: إنّ أصول الحقوق لكونها نتيجة الأعمال الإرادية للأفراد، فبإمكانها التحوّل والتغيّر حسب مقتضيات الزمان وإرادة الشعوب المختلفة [٢].
ولكنّ هذا الكلام لا يمكن قبوله، لأنّ الضرورات الناشئة من الحياة الاجتماعية تحدّد اختيارات الدولة في وضع القواعد والقوانين الحقوقية، فالدولة لا تضع القوانين لمجرّد إظهار قدرتها، بل هناك أسباب وعوامل مختلفة في عملية وضع القانون، وهناك قوى مختلفة تتصارع في دائرة خلق القوانين، فالقانون هو نتيجة للقوّة الغالبة في هذا الصراع، فكما يقول عالِم الحقوق الفرنسي ريبر فإنّ منبع الحقوق يتمثّل في الدولة ولكنّ كلّ عين تظهر على سطح الأرض بفعل ضغط الماء في باطن الأرض، إذن لا ينبغي الاكتفاء بالبناء العلويّ الظاهر فقط، بل ينبغي البحث في جذور العوامل والقوى التي تكمن وراء ظهور الماء [٣].
٣. إنّ كلسن وتبعاً لهيوم يرى أنّ الواجبات تعكس الأمور القيميّة، وهذه الأمور نسبية وتختصّ بصاحب الرؤية الذي يرى هذه القيم، ولذلك لا يمكن من خلال الاستدلال المنطقيّ والعلميّ نقل هذه القيم لشخص المنكر لها، على سبيل المثال: إذا كان الشخص يلتذّ بارتداء اللباس الرمادي، ويعتقد بأنّ لون لباسه يجب أن
[١]. انظر: فلسفة الحقوق، ج ١، ص ٢٣٦ و ٢٣٧ (بالفارسيّة).
[٢]. المصدر السابق، ص ٢٣٧.
[٣]. القوى البنّاءة للحقوق، العدد ٢٧، ص ٨٠ نقلًا عن فلسفة الحقوق، ج ١، ص ٢٣٧ (بالفارسيّة).