موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٢ - الثالث نظرية اتّحاد الحقوق والحكومة
الماركسية والتي تفرز من خلال أيديولوجية خاصّة المؤسسات الحقوقية في المجتمع والسلطة. ويرى ماركس، أنّ الدولة لا تمثّل قوّة تفرض نفسها على المجتمع من خارجه، كما أنّها ليست وليدة رعاية الأصول الأخلاقية وطبيعة التعقّل، وكذلك خلافاً لنظرية هيجل ليست وليدة العقل الكلّي، بل إنّ الدولة منتوج ذلك المجتمع وحصيلة مرحلة خاصّة من التحوّل الاجتماعي في حركته التاريخية، بمعنى أنّ المجتمع الذي يعيش التناقضات الداخلية في أعماقه ولا يستطيع حلّ هذه التناقضات، يتحرّك على مستوى تشكيل الدولة ليتمكّن من إيجاد النظم وبالمقدار الممكن، وعلى حدّ تعبير انجلس، أنّ الطبقة الحاكمة هي التي تخلق الدولة لإيجاد النظم في فضاء المجتمع.
ويقول ماركس في كتاب آيديولوجية الألمان: «إنّ الحقوق كالدّين ليس لها مكان مستقلّ في التاريخ، وخلافاً لنظر الحقوقيين البرجوازيين الذين يرون أنّها ظاهرة مستقلّة، فإنّها ليست بذات قيمة بحيث تستحقّ المطالعة والدراسة بشكل مباشر، بل على العكس من ذلك، فهي ظاهرة تتّصل في واقعها وطبيعتها بظروف «الإنتاج» [١].
ويعتقد الماركسيون بأنّ الحقوق والدولة هما وليدا مرحلة خاصّة من مراحل التحوّلات الاقتصادية التي تتّسم بالضرورة والحتمية المقطعية. فالمجتمع البشري في بعض المراحل لا يحتاج إلى مقولة الحقوق والدولة، وفي المستقبل أيضاً وعند وصول المجتمع البشري إلى مرحلة الشيوعية، فإنّ الحقوق والدولة ستفقد ضرورتها في واقع الحياة الاجتماعية».
ويعتقد انجلس بأنّ الناس في المجتمعات البدائية كانوا يعيشون التساوي بالنسبة لاستخدام وسائل الإنتاج والاستفادة منها، فالهدف من الإنتاج رفع الحاجات العامّة لأفراد المجتمع، ولا أحد يملك سلطة على آخر، وعليه فإنّ الشيوعية الأولى كانت هي المنهج الذي اختاره الإنسان في تلك العصور في عملية استخدام وسائل الإنتاج، وفي مثل هذا المجتمع لا ضرورة للحقوق والدولة.
وبعد هذه المرحلة، تحرّك المجتمع البشريّ تدريجياً نحو تقسيم الأعمال الاجتماعية وظهرت حينئذٍ الطبقات الاجتماعية، فأخذت طبقة معيّنة بالعمل على احتكار وسائل الانتاج على نفسها وحرمان الآخرين من الاستفادة منها، ومن هنا نشأت ضرورة وضع القوانين الحقوقية وتأسست الدولة على هذا الأساس وفرضت إرادتها بالقوّة على الناس لتتمكّن من حماية مصالح الطبقة الحاكمة وتطويع الطبقة المحرومة والحدّ من طغيانها.
ومنذ ذلك التاريخ كان مفهوما الدولة والحقوق يتحرّكان بشكل متوازٍ ومتقارن. ومادام هناك اختلاف طبقيّ وتقوم طبقة معيّنة باستلام مقاليد السلطة لصالحها فإنّ هاتين المقولتين موجودتان في الواقع الاجتماعي لإسداء المعونة للحاكم في حركة الحياة والواقع [٢].
والخلاصة أنّ الماركسيين يعتقدون بأنّ الحقوق تمتدّ بجذورها إلى التحوّلات الإقتصادية، وربّما تكون ضرورية في مراحل خاصّة من هذه التحوّلات، وتكون الغاية ليس حفظ النظام الاجتماعي وإقامة العدل في أجواء المجتمع، بل حفظ مصالح الطبقة الحاكمة في
[١]. مقدّمة على الحقوق الإسلامية، ج ٢، ص ١٤٨.
[٢]. فلسفة الحقوق، ج ١، ص ٣٥١ (بالفارسيّة).