موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢٠ - ١ المذهب الوضعي الاجتماعي
باللصوص وقطّاع الطرق، وبعد ذلك ومن خلال التجارب، توصّل المجتمع إلى لزوم إيجاد ضمانات للملكية والتصرّف المالي بواسطة القواعد الحقوقية، في حين أنّ أتباع نظرية الحقوق الطبيعية أو الفطرية يرون أنّ القتل والسرقة عبارة عن تعدٍّ وتجاوز على الحقوق الأساسية للفرد، ولهذا السبب فقد منعت القواعد الحقوقية من هذا السلوك السلبيّ.
وعلى هذا الأساس فإنّ الحقوق تعدّ أدوات ووسائل يستخدمها المجتمع في عملية ضبط النظم والتصدّي للفوضى وأشكال الهرج والمرج المانعة من بقائه وحركته في خطّ التقدّم والتحضّر. إنّ قواعد الحقوق لا شأن لها سوى بيان العلاقات الأساسية في المجتمع، وتمثّل مرآة لأقوى حالات الشعور الجمعيّ [١].
ويعتقد دوركايم بوجود تشابه بين احترام الشخص للعلاقات الاجتماعية، وبين الاحترام والطاعة لدى المتديّنين في مقابل اللَّه تعالى. ويقول: إنّ الباعث لحركة المتديّن في خطّ الطاعة والتعبّد للَّهتعالى هو أنّه الخالق له والمدبّر لأموره، إذن فبهذا السبب نفسه يجب على الشخص غير المتديّن أن يحترم الحياة الاجتماعية ويعمل على الإخلاص لها وحبّها [٢].
وممّا تقدّم من رؤية أتباع المذهب الوضعيّ الإجتماعيّ في تحليلهم لمقولة الحقوق، يمكن الخروج بنتيجة أنّ هذا المذهب يرى أنّ الأساس والمبنى الأصليّ للحقوق يقوم على الوجدان العام، وأنّ مبنى القواعد الحقوقية يقوم على أساس حاجة المجتمع لحكومة تلك القواعد على العلاقات الاجتماعية. وعلى هذا الأساس، فلا يوجد فرق أساسيّ بين القانون والعرف والذوق القضائيّ، بل إنّ جميع هذه المنابع للحقوق تعتبر مظاهر خارجية للوجدان العام، وامتيازها عن بعضها يكمن في نمط بيان الصياغة الخارجية لهذه القواعد والمسائل الفنّية المتعلّقة بها، فوظيفة المقنّن هي أن يتحرّك على مستوى التحقيق الدقيق في الإرادة العامّة للمجتمع واستلهام القواعد الحقوقية التي يفرضها الوجدان العام، والعمل على تدوينها والإعلان عنها.
وطبقاً لهذه الرؤية فإنّ اعتبار الأصول الكلّية للحقوق لا يعتمد على قدرة واعتبار المقنّن، بل يعتمد على الوجدان العام [٣].
نقد ومناقشة:
١. إنّ أهمّ النقود والإشكالات الواردة على هذا المذهب الوضعيّ الاجتماعيّ، هو إنكاره لتأثير الأخلاق والدّين في إيجاد الحقوق، لأنّ أتباع هذه المدرسة يتصوّرون أن المبنى الأصلي للقواعد الحقوقية هو الوجدان العام، في حين أنّ تشكيل الوجدان العام يخضع لمؤثّرات وعوامل مختلفة، ومن أهمّها الأخلاق والدين. والشاهد الحيّ على هذا المعنى، تطابق الكثير من أشكال الحكم للوجدان العام في المجتمعات الدينية على تعاليم الدين السائد في أجواء هذه المجتمعات، من قبيل قبح الربا وكراهية الاختلاط بين الجنسين في هذه المجتمعات.
٢. إنّ الهدف من القواعد الحقوقية طبقاً لهذا المذهب يتلخّص في تثبيت وتكريس الوضع الموجود وتبيين وتدوين الوجدان العام، في حين أنّ أحد أهداف
[١]. كليّات الحقوق، ص ٨٣ (بالفارسيّة).
[٢]. فلسفه حقوق، ج ١، ص ٢٥٤ (بالفارسيّة).
[٣]. انظر: كليّات الحقوق، ص ٨٥ (بالفارسيّة).