رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧ - الرسالة الثانية من العلوم الناموسية و الشرعية في ماهية الطريق إلى الله عز و جل(و هي الرسالة الثالثة و الأربعون من رسائل إخوان الصفاء)
و اعلموا أيها الإخوان، أيدكم اللّه و إيانا بروح منه، أن حجابها عن ربها إنما هو جهالتها بجوهرها و عالمها و مبدئها و معادها، و أن جهالتها إنما هي من الصّدإ الذي تركّب على ذاتها من سوء أعمالها و قبح أفعالها، كما قال تبارك و تعالى: «كلّا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون». و أما اعوجاجها فهو من أجل آرائها الفاسدة و أخلاقها الرديئة كما قال اللّه تعالى: «فلما زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم».
و اعلموا أيها الإخوان، أيدكم اللّه بروح منه، أن النفس ما دامت على هذه الصفات فإنها لا تبصر ذاتها، و لا يتراءى في ذاتها تلك الأشياء الحسنة الشريفة اللذيذة الشهية التي في عالمها، كما وصف اللّه فقال: «فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين و أنتم فيها خالدون» و قال: «لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون».
و اعلموا أيها الإخوان، أيدكم اللّه بروح منه، أن النفوس ما لم تشاهد تلك الأشياء لا ترغب فيها و لا تطلبها و لا تشتاق إليها و تبقى كأنها عمياء، كما قال اللّه تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور».
و اعملوا أيها الإخوان، أيدكم اللّه بروح منه، أن النفس إذا عميت عن أمر عالمها، و توهمت أنه لا وجود لها إلّا على هذه الحال التي هي عليها الآن في دار الدنيا، فتحرص عند ذلك على البقاء في الدنيا، و تتمنى الخلود فيها، و ترضى بها و تطمئن إليها، و تيأس من الآخرة و تنسى أمر المعاد، كما ذكر اللّه تعالى: «و رضوا بالحياة الدنيا و اطمأنوا بها». و قال: «يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور».
ثم إنها إذا ذكّرت بوصية اللّه التي جاءت على ألسنة أنبيائه، :، لا تذكر شيئا كما قال اللّه تعالى: «و إذا ذكّروا لا يذكرون». ثم إنها تبقى في عمايتها و جهالتها و طغيانها إلى الممات، مصرّة مستكبرة كأن لم