رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٢ - الرسالة الرابعة من العلوم الناموسية و الشرعية في كيفية معاشرة إخوان الصفاء و تعاون بعضهم مع بعض و صدق الشفقة و المودة في الدين و الدنيا جميعا(و هي الرسالة الخامسة و الأربعون من رسائل إخوان الصفاء)
العلوم، أو يهجروا كتابا من الكتب، و لا يتعصبوا على مذهب من المذاهب، لأن رأينا و مذهبنا يستغرق المذاهب كلها، و يجمع العلوم جميعها: و ذلك أنه هو النّظر في جميع الموجودات بأسرها الحسيّة و العقلية، من أولها إلى آخرها، ظاهرها و باطنها، جليّها و خفيّها، بعين الحقيقة من حيث هي كلّها من مبدإ واحد، و علّة واحدة، و عالم واحد، و نفس واحدة، محيطة جواهرها المختلفة، و أجناسها المتباينة، و أنواعها المفنّنة، و جزئياتها المتغايرة.
و قد ذكرنا في الرسالة الثانية أن علومنا مأخوذة من أربعة كتب: أحدها الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء و الفلاسفة، من الرياضيات و الطبيعيات؛ و الآخر الكتب المنزلة التي جاءت بها الأنبياء، صلوات اللّه عليهم، مثل التوراة و الإنجيل و الفرقان و غيرها من صحف الأنبياء المأخوذة معانيها بالوحي من الملائكة، و ما فيها من الأسرار الخفيّة؛ و الثالث الكتب الطبيعية، و هي صور أشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك، و أقسام البروج، و حركات الكواكب و مقادير أجرامها، و تصاريف الزمان، و استحالة الأركان، و فنون الكائنات من المعادن و الحيوان و النبات، و أصناف المصنوعات على أيدي البشر. كلّ هذه صور و كنايات دالات على معان لطيفة و أسرار دقيقة يرى الناس ظاهرها و لا يعرفون معاني بواطنها من لطيف صفة الباري، جل ثناؤه. و النوع الرابع الكتب الإلهية التي لا يمسّها إلّا المطهّرون الملائكة التي هي بأيدي سفرة[١] كرام بررة، و هي جواهر النفوس و أجناسها و أنواعها و جزئياتها، و تصاريفها للأجسام و تحريكها لها، و تدبيرها إياها، و تحكّمها عليها، و إظهار أفعالها بها و منها حالا بعد حال، في ممرّ الزمان و أوقات القرانات و الأدوار، و انحطاط بعضها تارة إلى قعر الأجسام، و ارتفاع بعضها تارة من ظلمات الجثمان، و انبعاثها من نوم الغفلة و النسيان،
[١] -السفرة: الملائكة يحصون الأعمال.